
أسرار الولاية ومعارج اليقين
عالمُ المُثُلِ الأفلاطونيّة وتجلّياتُ القدر
كيف تُسجّل الملائكةُ نوايانا الخفيّة وخواطرنا قبل أفعالنا؟ وما الفرق بين رؤية الإنسان الإلهيّ الموحّد للأحداث وبين النظرة الدنيويّة القاصرة؟ ما هي حقيقة المُثُل الأفلاطونيّة وكيف ترتبط بمقام الخلافة الإلهيّة العظيم للإنسان؟ ولماذا كانت كربلاء ضرورةً حتميّةً لتجلّي مقامات سيّد الشهداء عليه السلام؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قُدّس سرّه عن هذه التساؤلات؛ لتطوف بالقارئ في آفاق العرفان الشيعيّ، وتربط بسلاسةٍ بين أسرار القضاء والقدر، والتربية الأخلاقيّة الدقيقة، والمقامات الباطنيّة لأهل البيت عليهم السلام وأصحابهم الخُلّص.
أسرار الولاية ومعارج اليقين
9إنّ ما يشهده الإنسان ويسمعه، وما يراه من أفكار أصحاب هذه التوجّهات ورؤاهم، مُقزّزٌ حقًّا ومُثيرٌ للغثيان. فعندما يرى المرء إنسانًا في هذا العصر ـ عصر الازدهار العلميّ ـ كيف يطرح أفكاره في الخارج، ويُمارس أعماله، وما هي القيم التي يقبلها وتلك التي يرفضها، فإنّه يتألّم ويتأسّف حقًّا! فمن المؤسف جدًّا أن يأتي إنسانٌ في هذا العصر، ليطرح مسائل تدلّ على استغنائه، وعدم حاجته للرابط بين عالَم المادّة وعالَم الملكوت. فهذا البُعد عن الواقع يتطلّب من المرء أن يغضّ الطرف عن كلّ الوقائع ويدوس على كلّ شيءٍ.
لقد كان الإشكال على عرب الجاهليّة هو: كيف يدفنون ابنة الرابعة أو الخامسة حيّةً بأيديهم؟! هل هذا واضح؟! فكيف بِمَن يُطلق صاروخًا على طائرةٍ تُقلّ أبرياء من مكانٍ إلى آخر ـ وفيها الشيخ الطاعن في السنّ، والرضيع، والمرأة، وكلّهم لا علاقة لهم بالسياسة ـ ليُقطّعهم أشلاءً؟! فأيُّهما أسوأ؟! فإذا أردنا تجريده من الإنسانيّة، فيجب حتمًا أن نُطلق عليه اسم الحيوان؛ لأنّه يرى بعينيه أنّهم مدنيّون، ومع ذلك يُطلق النار. فذلك الذي يقود طائرةً، ويرى الأطفال يلعبون في ساحة المدرسة، ثمّ يُلقي عليهم القنابل، هل هو أكثر حيوانيّةً، أم ذلك العربيّ الذي يدفن ابنته حيّةً؟! فهذا يُشاهد احتراقهم من الأعلى، ويُلقي القنبلة! فأيّهما أكثر حيوانيّةً؟! وأيّهما أبعد عن الإنسانيّة؟! وقِسْ على هذا؛ أيًّا كان هذا الفرد؛ مسلمًا كان أم مسيحيًّا؛ شيعيًّا أم سنّيًّا؛ عالِمًا أم غير عالِمٍ؛ لا فرق أبدًا. فالمقصود هو الوقوع في أسر النفس الأمّارة، والابتعاد عن ثقافة التوحيد وأولياء الله تعالى. فمن ابتعد عن تلك الثقافة، سيقترف أيّ شيءٍ. وفي أيّ زيٍّ ومقامٍ كان، سيفعل ذلك. وإن لم يفعل، فمن الواضح أنّ مصلحته لم تقتضِ ذلك، أو لم يكن قادرًا عليه؛ فتراه يفعل أيّ شيءٍ لتحقيق مآربه وأموره النفسانيّة.
ولا يُمكن للزيّ أن يمنع الإنسان من التخلّي عن أموره النفسانيّة وثقافته! فهذه النفسانيّات تأسر العقل في النفس، وتأسر الفطرة، ثمّ يكون ظهورها في الخارج ما نشاهده! فلا فرق أبدًا! فبمجرّد أن يقتضي الأمر حِفظ ماء وجهه، ترى الإنسان يفعل أيّ شيءٍ، ويُسمّي فعله هذا بأيّ اسمٍ.. بأيّ اسمٍ يليق به، ولا تهمّ التسمية! فهو يضع هذه التسمية لخداع العوامّ، ويمضي في عمله.
