
أسرار الولاية ومعارج اليقين
عالمُ المُثُلِ الأفلاطونيّة وتجلّياتُ القدر
كيف تُسجّل الملائكةُ نوايانا الخفيّة وخواطرنا قبل أفعالنا؟ وما الفرق بين رؤية الإنسان الإلهيّ الموحّد للأحداث وبين النظرة الدنيويّة القاصرة؟ ما هي حقيقة المُثُل الأفلاطونيّة وكيف ترتبط بمقام الخلافة الإلهيّة العظيم للإنسان؟ ولماذا كانت كربلاء ضرورةً حتميّةً لتجلّي مقامات سيّد الشهداء عليه السلام؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قُدّس سرّه عن هذه التساؤلات؛ لتطوف بالقارئ في آفاق العرفان الشيعيّ، وتربط بسلاسةٍ بين أسرار القضاء والقدر، والتربية الأخلاقيّة الدقيقة، والمقامات الباطنيّة لأهل البيت عليهم السلام وأصحابهم الخُلّص.
أسرار الولاية ومعارج اليقين
3الارتباطُ باللهِ روحُ الأعمالِ وقِوامُها
لا يُمكن لأحدٍ أن يقول هذا الكلام إلاّ من كان واسطةً لفيض الله ومجلًى ومجرًى له. فهو وحده من يفهم لماذا الصلاة هي خير العمل! وهو وحده من يُدرك أنّ كلّ حقيقة وجود الإنسان تكمن في الارتباط؛ وهذا الارتباط يحصل في هذه الصلاة. فإن لم يوجد ذلك الارتباط، أصبح الجهاد هباءً! والإنفاق هباءً! وكلّ شيءٍ هباءً في هباء! فإن فُقد ذلك الارتباط، أصبح كلّ شيءٍ باطلاً، وإن وُجد أصبح كلّ شيءٍ صحيحًا. وهذا ما لا يفهمه الآخرون؛ ولهذا، يأتون ويقولون: «الصلاة خير من النوم!»؛ فهم لا يفهمون! استيقظوا الآن، وصلّوا بدلاً من النوم! حسنًا، إن كان الأمر كذلك، فلماذا تقولون: الصلاة خير من النوم؟ بل قولوا: الرياضة خير من النوم! أو اليقظة خير من النوم! أو المشي خير من النوم! لأنّ الرؤية تُصبح قائمةً على المقارنة مع النوم. فالنوم استلقاءٌ، والصلاة وقوفٌ! هذا هو الفرق! وحينئذٍ تُزاح تلك الشخصيّة، وتأتي هذه الشخصيّة لتجلس مكانها! ويا للأسف! فذلك الذي يسير في تلك الأجواء وتلك المراحل يُزاح، ويموت وينتقل إلى رحمة الله، ويأتي مكانه من تكون رؤيتُه هكذا، ويكون هذا هو أفق إدراكه وفهمه! فماذا سيحدث؟!
ثمّ كان يقول: «يُمكنكم أن تجعلوا هذا معيارًا».
معيارُ التقييمِ الحقِّ ومحطّاتُ الاختبارِ الإلهيّ
في إحدى المرّات، كان معاوية يمدح أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً: «رحم الله أبا تراب! فقد كان الذهب والتبن عنده سواء!». فهذه المدائح كلّها بعد الوفاة، وإلاّ، فلا نجد لها أثرًا في أيّام حياته عليه السلام! فعندما يُستشهد أمير المؤمنين عليه السلام وينتهي الأمر، يبدأ بالمدح والثناء؛ لأنّه لم يعُد مُنافسًا له! والآن حتّى لو مدحه، فسيحسبون ذلك من تواضعه؛ ولكن، هل كنت تقول هذا الكلام وعليٌّ عليه السلام على قيد الحياة؟! كلاّ، لم تكن تقوله! على كلّ حال، كان يقول: «رحم الله أبا تراب! فقد كان الذهب والتبن عنده سواء؛ فلو كان له جبلٌ من ذهبٍ وجبلٌ من تبنٍ، لأنفق الذهب قبل التبن».۱
وكان المرحوم العلاّمة يذكر عباراتٍ رائعةً هنا؛ أي أنّه كان يستنبط مسائل دقيقة من هذه العبارات، فيقول: «لأنّ رؤية معاوية ماديّةٌ، فهو يدرس عليًّا عليه السلام من رؤيةٍ ماديّةٍ أيضًا!». فبما أنّ فهم معاوية فهمٌ ماديٌّ، فهو يُفضّل الذهب على التبن يقينًا، ولا يأخذ التبن، ويترك الذهب. فهذا المسكين لا يعلم أنّ الذهب والتبن عند عليٍّ عليه السلام سواءٌ حقًّا؛ أي: لا فرق بينهما. فهما سواءٌ؛ لكن، لا بمعنى أنّهما متساويان في القيمة، بل لأنّه عليه السلام في أفقٍ لا تختلف فيه أيّة أمورٍ دنيويّةٍ عنده سوى الله؛ سواءٌ كانت ذهبًا أو حجرًا أو ألماسًا! فلا فرق لديه سواءٌ وُضعت في معيار القياس أم لا!
- راجع: كشف الغمّة، ص ٩٣؛ المناقب، ابن المغازليّ، ص ٢۸۰؛ ينابيع المودّة، ص ٩٢.
