
أسرار الولاية ومعارج اليقين
عالمُ المُثُلِ الأفلاطونيّة وتجلّياتُ القدر
كيف تُسجّل الملائكةُ نوايانا الخفيّة وخواطرنا قبل أفعالنا؟ وما الفرق بين رؤية الإنسان الإلهيّ الموحّد للأحداث وبين النظرة الدنيويّة القاصرة؟ ما هي حقيقة المُثُل الأفلاطونيّة وكيف ترتبط بمقام الخلافة الإلهيّة العظيم للإنسان؟ ولماذا كانت كربلاء ضرورةً حتميّةً لتجلّي مقامات سيّد الشهداء عليه السلام؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قُدّس سرّه عن هذه التساؤلات؛ لتطوف بالقارئ في آفاق العرفان الشيعيّ، وتربط بسلاسةٍ بين أسرار القضاء والقدر، والتربية الأخلاقيّة الدقيقة، والمقامات الباطنيّة لأهل البيت عليهم السلام وأصحابهم الخُلّص.
أسرار الولاية ومعارج اليقين
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الرقابةُ الإلهيّةُ الدقيقةُ وخفايا النوايا
إنّ أفكارنا وخيالاتنا وخواطرنا تُسجّل جميعها مثل آلات التسجيل هذه؛ وبشكلٍ دقيقٍ أيضًا!
ذهبت مرّةً لزيارة المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ (وكنت برفقة المرحوم الوالد)؛ وكان لديّ مسجّلٌ أردتُ أن أُسجّل به صوته، فوضعته جانبًا. وكان هناك رجلٌ أو رجلان آخران معهما مُسجّلاتٌ أيضًا، فوضعاها في الجانب الآخر. وفجأةً، قال: ﴿إِذ يَتَلَقَّى ٱلمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱليَمِينِ وَعَنِ ٱلشِمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلفِظُ مِن قَولٍ إِلَّا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.۱ أي: انظروا إلى كيف ينتبه الإنسان إلى كلامه وسلوكه من أجل سلكين وبضعة غراماتٍ من البلاستيك! فهي مجرّد أسلاكٍ وقطعٍ بلاستيكيّة! فيُحاول أثناء التسجيل ألاّ يتفوّه بباطلٍ، ويُرتّب نفسه، ويضع العباءة على القباء بشكلٍ مُرتّبٍ وجميل، ويجلس بأدبٍ؛ ولكن، بمجرّد أن تُرفع هذه الأسلاك والبلاستيك وتُجمع، فلا يأبى أن يقول أيّ شيءٍ، أو يفعل أيّ شيءٍ، أو تحدث أيّة مسألةٍ، قائلاً في نفسه: «إنّ هذا لا يُسجّل!».
وهناك فرقٌ كبيرٌ بين إنسانٍ يتحدّث وهو في ظروف معيّنة، وبين حديثه وهو ليس فيها. فكيفيّة التحدّث والخطاب تختلف كثيرًا!
الرؤيةُ الإلهيّةُ العميقةُ في مقابلِ النظرةِ الدنيويّةِ القاصرةِ
ففي حرب الجمل، كان ابن عبّاس يقف إلى جانب أمير المؤمنين عليه السلام؛ وعندما أرادت الحرب تبدأ، جاء رجلٌ، وسأل الإمام عن مسألةٍ في الصلاة؛ حيث أخطأ فيها وقال: «فعلتُ كذا عندما أردتُ أن أُصلّي الصبح، فماذا أفعل الآن؟»، فأجابه عليه السلام، وقال له مثلاً: «افعل كذا»، أو «لا بأس»، أو «اسجد سجدتي السهو». فقال ابن عبّاس: «هل هذا وقت السؤال؟!».
انظروا كم هو الاختلاف! فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابن عبّاسٍ، وقال: «فمتى يسأل عن الصلاة إذن؟!».
أي: ضعوا هاتين الجملتين إلى جانب بعضهما، ثمّ فكّروا فيهما لأشهر! فيومٌ أو أسبوعٌ قليلٌ جدًّا! قليلٌ جدًّا!
ففي إحدى المرّات، كان المرحوم العلاّمة يتحدّث عن عبارة «الصلاة خير من النوم»٢ التي اختلقها ذلك الرجل. وكان يُبيّن التفاوت والاختلاف بين رؤية رجلٍ إلهيّ ورؤية رجلٍ سياسيّ، فقال:
الرجل الإلهيّ ـ والنبيّ صلّى الله عليه وآله هو أسمى رجلٍ إلهيّ ـ يقول عن الصلاة: «حيّ على خير العمل!»؛٣ ففي هذه العبارة يكمن كلّ شيءٍ؛ فهي خير عملٍ من الصوم، وخير عملٍ من الحجّ، وخير عملٍ من الجهاد في سبيل الله ـ أمّا الجهاد في غير سبيل الله فهو خارجٌ عن الموضوع تخصّصًا ـ، وهي خير عملٍ من الإنفاق، وخير عملٍ من الصدقة. فأيّ شيءٍ يُمكنكم اعتباره، فالصلاة هي أرقى منه! فحلّلوا هذه الرؤية: لماذا يقول النبيّ إنّ الصلاة هي أسمى الأعمال؟! ولماذا لا يقول ذلك عن الصوم أو الحجّ أو الجهاد؟! ففي الجهاد، تُراق الدماء، ولا تُوزّع فيه الحلوى! ولكن في الصلاة، لا تُراق الدماء، ولا يُصاب الإنسان بمكروهٍ، ولا يلحقه أذًى أو تعبٌ. فلماذا يجب أن تكون الصلاة هي الأفضل والأسمى وخير العمل؟!
- سورة ق، الآيتان ۱۷و۱۸.
- الموطّأ، مالك بن أنس، ص ٥٤، كتاب الصلاة، باب ما جاء في النداء بالصلاة:
«أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ". قَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يُؤْذِنُهُ لِصَلاةِ الصُّبْحِ، فَوَجَدَهُ نَائِمًا فَقَالَ الْمُؤَذِّنُ: الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ». - المصدر نفسه:
«أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي النِّدَاءِ ثَلاثًا وَيَتَشَهَّدُ ثَلاثًا، وَكَانَ أَحْيَانًا إِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ، قَالَ عَلَى إِثْرِهَا: حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ». المترجم
