
أسرار الولاية ومعارج اليقين
عالمُ المُثُلِ الأفلاطونيّة وتجلّياتُ القدر
كيف تُسجّل الملائكةُ نوايانا الخفيّة وخواطرنا قبل أفعالنا؟ وما الفرق بين رؤية الإنسان الإلهيّ الموحّد للأحداث وبين النظرة الدنيويّة القاصرة؟ ما هي حقيقة المُثُل الأفلاطونيّة وكيف ترتبط بمقام الخلافة الإلهيّة العظيم للإنسان؟ ولماذا كانت كربلاء ضرورةً حتميّةً لتجلّي مقامات سيّد الشهداء عليه السلام؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قُدّس سرّه عن هذه التساؤلات؛ لتطوف بالقارئ في آفاق العرفان الشيعيّ، وتربط بسلاسةٍ بين أسرار القضاء والقدر، والتربية الأخلاقيّة الدقيقة، والمقامات الباطنيّة لأهل البيت عليهم السلام وأصحابهم الخُلّص.
أسرار الولاية ومعارج اليقين
17المراتبُ العرفانيّةُ المتفاوتةُ لشهداءِ كربلاء واتّصالُ السرّ
وعندما أدركوا أنّ المسألة هي هذه؛ أي أنّهم سيُقتلون إن بقوا، قالوا: «ولماذا نبقى إذن؟!». فتبين أنّ جميعهم كانوا ـ في مجيئهم مع سيّد الشهداء ـ من أهل الدنيا؛ ولم يكونوا من أهل العقبى. فقد كان ذلك من أجل المسائل والرئاسات وما شابه ذلك! لقد جاؤوا ليصلوا إلى شيءٍ! لأنّه لو كان من أهل العقبى، لقال: «بسم الله إذن! لقد مُدّت المائدة، فلماذا تذهب إذن؟ لقد انتظرتَ عمرًا كاملاً من أجل هذه اللحظة! فكيف تتركها الآن وتذهب؟! تنهض وتذهب من وسط المائدة في اللحظة الحاسمة!». إذن، يتبيّن أنّهم لم يكونوا من أهل العقبى، بل من أهل الدنيا. وعندما ذهب هؤلاء، تمايز الذين كانوا من أهل العقبى، وهم لم يروا أيّ شيءٍ بعدُ.. انتبهوا! لم يُشاهدوا أيّ شيءٍ. ولكن الآن وقد تمايزوا، قال الإمام: «حسنًا، بما أنّ الأمر قد حُسم، فسنُعطيكم شيئًا! سنُذيقكم حلاوته من هذه الليلة لتروا كيف هي الأوضاع! سنُريكم جزءًا يسيرًا الآن، ونترك الباقي لوقته، وإلاّ، لقطّعتم أنفسكم إربًا إربًا الآن! فاصبروا حتّى الغد، ولا تتعجّلوا!».
ولهذا، كان أصحاب سيّد الشهداء يُلقون بأنفسهم في جيش العدوّ ليُقطَّعوا إربًا إربًا، خوفًا من أن يضيع منهم ما رأوه! فماذا رأوا يا سيّد...؟!
يُقال إنّ مسلم بن عوسجة كان يمزح! فقد كانوا يتنازعون على الحوريّات! كانوا يتشاجرون! وكان يقول: «سآخذ خاصّتك!».. كانت هناك مثل هذه الأمور! كانوا يُمازحون بعضهم بعضًا!۱
هم يقولون مثل هذه الأشياء، ويجب علينا أن نُحقّق لنرى كيف كانت القضيّة. فبعضهم عندما رأوا هذه المسائل، تولّد لديهم الشوق لتلك المرتبة؛ ولكن، كان هناك بعضهم الآخر ممّن لم يكن كذلك، بل كانوا قد رأوا هذه الرؤى مسبقًا! وكانوا قد طووا هذه المسائل سابقًا. فحبيبٌ وعابسٌ وأمثالهم كانوا ممّن يمتلكون هذه المراتب مسبقًا. وكلّ واحدٍ منهم كانت له خصائصه. فالشوق إلى المراتب التي شاهدها أحدهم هو ما يدفعه للأمام. وبالطبع، جميعهم كانوا مجتمعين في وحدةٍ ولائيّةٍ للإمام! ولا ينبغي لنا ـ لا سمح الله ـ أن نستخدم تعبيرًا يوجب وَهنَهم.. كلاّ! فقد كانوا جميعًا سكارى من ذلك الشراب الطهور لسيّد الشهداء؛ ولكنّهم أنفسهم كانوا متفاوتين في أفق رؤيتهم. فما كان يراه حبيب بن مظاهر ويُريد الاستشهاد للوصول إليه، لم يكن الحُرُّ يراه قطعًا، ولم يكن يخطر على بال أجداده حتّى! أو مثلاً ما كان يُشاهده أبو الفضل العبّاس عليه السلام وكان يُريد أن يخلع لباس البدن [لأجله] بسرعةٍ، فأنّى يُمكن للأشخاص العاديّين الآخرين الموجودين هناك أن يروه؟!
