
أسرار الولاية ومعارج اليقين
عالمُ المُثُلِ الأفلاطونيّة وتجلّياتُ القدر
كيف تُسجّل الملائكةُ نوايانا الخفيّة وخواطرنا قبل أفعالنا؟ وما الفرق بين رؤية الإنسان الإلهيّ الموحّد للأحداث وبين النظرة الدنيويّة القاصرة؟ ما هي حقيقة المُثُل الأفلاطونيّة وكيف ترتبط بمقام الخلافة الإلهيّة العظيم للإنسان؟ ولماذا كانت كربلاء ضرورةً حتميّةً لتجلّي مقامات سيّد الشهداء عليه السلام؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قُدّس سرّه عن هذه التساؤلات؛ لتطوف بالقارئ في آفاق العرفان الشيعيّ، وتربط بسلاسةٍ بين أسرار القضاء والقدر، والتربية الأخلاقيّة الدقيقة، والمقامات الباطنيّة لأهل البيت عليهم السلام وأصحابهم الخُلّص.
أسرار الولاية ومعارج اليقين
13الرضا المحضُ للإمامِ بالبلاءِ والفرقُ بين مراتب الأئمّة
أ لم يرِد في غزوة أُحد بشأن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّ جبرئيل قال له: «يا رسول الله! ادعُ الله على هؤلاء»، ولكنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله بدلاً من الدعاء عليهم، كان يدعو لهم قائلاً: «اللهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»؛۱ في حين أنّ جبرئيل كان يقول له: إنّ هذا لن يُنقص من مرتبة رسالتك. وهذا عجيبٌ! فمرتبة الرسالة تعني مرتبة الاتّصال بنا. وتلك المرتبة محفوظةٌ؛ والوحي محفوظٌ؛ والإلقاءات محفوظةٌ؛ وشهودك محفوظٌ. فما الذي يحصل في البين إذن؟ لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله يختار هذا الجانب في النهاية: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي». فما الذي يُعطى للنبيّ في اختياره لهذا الجانب؟ إنّها تلك التجلّيات الذاتيّة التي يجب على الإنسان العبور منها؛ فيجب أن يعبر من هذه المرتبة. وقد تكون هذه المرتبة بواسطة الآلام الظاهريّة؛ وقد تكون بواسطة الآلام الباطنيّة، بل قد تكون أسوأ من الآلام الظاهريّة. فقد يقول قائلٌ: «أن أُقتل ألف مرّةٍ أهون عليّ من هذا الوضع!»، وهو ثابتٌ على موقفه!
لقد كان لسيّد الشهداء نوعٌ من التجلّي الخاصّ الذي استوجب وقوع قضيّة كربلاء؛ وإلاّ، فإنّ إمامة الإمام عليه السلام ثابتةٌ في مكانها، وهدايتُه لجميع النفوس ثابتةٌ، وولايته ثابتةٌ، وحكومته على المُلك والملكوت ثابتةٌ. فكلّ شيءٍ ثابتٌ في مكانه، ولكنّ ذلك التجلّي ليس موجودًا! وتلك الخصيصة ليست موجودةً! فهذا شيءٌ آخر؛ وتلك تُصبح مرتبة البقاء.
التلميذ: ألا يمتلك الإمام الحسين ما يمتلكه رسول الله؟
الأستاذ: كلاّ! كلاّ! فلكلٍّ منهما نحوه الخاصّ؛ غاية الأمر أنّه كان يجب أن يتحقّق لسيّد الشهداء ذلك النحو من تجلّي الذات، وذلك التجلّي الخاصّ، إضافةً إلى مسألة الإمامة؛ هذه هي المسألة. والآن، هل يُمكننا القول إنّ الإمام الحسين يمتلك تلك الخصيصة بينما لا يمتلكها الإمام السجّاد؟ لا يُمكننا قول ذلك؛ فهذا لا يُثبت شيئًا. فربّما كان للإمام السجّاد شيءٌ آخر، وربّما كان للإمام الباقر شيءٌ آخر. ولكن، بالنسبة لسيّد الشهداء، فإنّ الوصول إلى هذه المرتبة كان يتطلّب كربلاء! هل اتّضح ما أقوله أم لا؟!
- سفينة البحار، ج ۱، ص ٤۱٢ ومعرفة الإمام، ج ۱٣، ص ۷٣.
