
أسرار الولاية ومعارج اليقين
عالمُ المُثُلِ الأفلاطونيّة وتجلّياتُ القدر
كيف تُسجّل الملائكةُ نوايانا الخفيّة وخواطرنا قبل أفعالنا؟ وما الفرق بين رؤية الإنسان الإلهيّ الموحّد للأحداث وبين النظرة الدنيويّة القاصرة؟ ما هي حقيقة المُثُل الأفلاطونيّة وكيف ترتبط بمقام الخلافة الإلهيّة العظيم للإنسان؟ ولماذا كانت كربلاء ضرورةً حتميّةً لتجلّي مقامات سيّد الشهداء عليه السلام؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قُدّس سرّه عن هذه التساؤلات؛ لتطوف بالقارئ في آفاق العرفان الشيعيّ، وتربط بسلاسةٍ بين أسرار القضاء والقدر، والتربية الأخلاقيّة الدقيقة، والمقامات الباطنيّة لأهل البيت عليهم السلام وأصحابهم الخُلّص.
أسرار الولاية ومعارج اليقين
11ولعلّ رأي أفلاطون يُشير ـ في قضيّة المُثُل النوريّة المرتبطة بالإنسان ـ إلى هذه الحقيقة الواحدة التي تنشأ منها تلك الحقائق المختلفة. وبالطبع، فإنّ لمحيي الدين [ابن عربي] أيضًا كلام في هذا المجال في «فصوص الحكم»، وقد وسّع المسألة كثيرًا في «الفتوحات المكيّة». فتلك المسألة المتعلّقة بالمُثُل تظهر هناك بصورة الحقيقة النوريّة الإنسانيّة الموجودة في نفس رسول الله صلّى الله عليه وآله. ويُمكننا طرح المسألة هنا بهذه الكيفيّة. وعلى كلّ حالٍ، فإنّ تلك الحقيقة النوريّة ـ التي بوسعكم تسميتها مجلَى الولاية أو مجرَاها أو ظهورها: «نَحْنُ صَنائِعُ اللهِ وَالْخَلْقُ بَعْدُ صَنائِعُ لَنا»؛۱ أو تسميتها واسطة الفيض، و «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ...»،٢ وجميع هذه الروايات الواردة في هذا المجال ـ يُمكن أن تجد مكانتها.٣
وهذه القضيّة ترتبط بتلك الحقيقة الواحدة التي تُمثّل حلقة الوصل الأولى بين الحقائق الخارجيّة وبين نزول ذلك الاسم والصفة الإلهيّين الخاصّين بتكوّن هذه الحقائق الخارجيّة. فماذا تُصبح تلك الحلقة الأولى؟! تُصبح هي المُثُل الأفلاطونيّة. لقد ذكرتُ هذا في مورد الإنسان، ويُمكنكم تطبيقه على الأسد أيضًا؛ وعلى الفيل، والحصان، والكلب، والغراب، والحمار، والحيّة، والحيوانات، والجمادات وما شابه ذلك. أي أنّ جميع هذه الموجودات، ورغم الاختلافات فيما بينها، عندما تصل إلى تلك النقطة، فإنّ جميع هذه الاختلافات تتنحّى جانبًا، وتتحوّل إلى حيوانٍ خاصٍّ يمتلك نافذةً خاصّةً لظهور الاسم الفلانيّ؛ وعندما يتنزّل في هذا العالَم، فإنّكم ترونه بهذا الشكل. ولكن، يجب أن تعلموا أنّه لم يتحوّل إلى هذا الشكل عبثًا وبلا حسابٍ، ولم تستقرّ هذه الحالة فيه بلا سببٍ أو عن طريق الصدفة؛ بل إنّ هذا التحوّل قد حصل له في هذا العالَم بواسطة النزول من تلك المرتبة التجرّدية وتلك النوعيّة الكلّية التي يمتلكها هناك. وهذا هو خلاصة كلام أفلاطون؛ أي أنّ القضيّة هي هذه؛ فتوجيه كلام أفلاطون هنا يكون بهذه الطريقة، ويعود إلى هذه المسألة.
ويُبيّن المرحوم السيّد الميرداماد هذه المسألة بأسلوبٍ آخر. وبالطبع، توجد بعض النقاط الدقيقة في كيفيّة تقريره سأعرضها الآن. ولكنّ لبّ كلامه يعود إلى هذه المسألة نفسها؛ أي: إن لم نُرد التدقيق المُفرط في التعبيرات التي أوردها ـ لأنّ هناك مسائل تستحقّ التأمّل أيضًا ـ نقول: إنّه يُريد بيان هذا الأمر هنا أيضًا؛ غاية الأمر أنّه يستخدم تعبيراتٍ وأمثلةً خاصّةً به يُبيّن بها هذه المسائل.
- نهج البلاغة، الرسالة ٢۸، الفقرة ۱۱ وبحار الأنوار، ج ٥٣، ص ۱۷۸.
- بحار الأنوار، ج ۱، باب حقيقة العقل وكيفيّته وبدو خلقه، ص ٩۷، الحديثان ۷ و۸.
- راجع: گلشن اسرار (روضة الأسرار)، ج ۱، الجلسة ٩ وتفسير آية النور، المحاضرة ۱۰.
