
التصديق بالحقائق الغيبيّة وشروط الارتقاء المعنويّ
أسرار التفاوت المعرفيّ بين الأصحاب وحقيقة الأهداف الحسينيّة
هل يكفي الاعتقاد القلبيّ للنجاة وبلوغ المقامات العُليا؟ ما هو السرّ وراء التفاوت المعرفيّ بين كبار الأصحاب كأبي ذرّ وسلمان؟ كيف يمكن لعالمٍ أن يستخرج ثلاثين تفسيرًا مختلفًا لآية قرآنيّة واحدة؟ وهل الغاية من إحياء عاشوراء تقتصر على إظهار الحزن واللطم أم تتعدّى ذلك إلى التماهي مع الأهداف الحسينيّة العظيمة وتطبيقها؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً الآليّات العمليّة للسلوك إلى الله تعالى وفق مدرسة العرفان واليقين.
التصديق بالحقائق الغيبيّة وشروط الارتقاء المعنويّ
9فماذا سنقول لو كنّا مكانه؟ هل سنُسارع بتكفيره؟! لا! بل سنستحضر الكرامات والمعجزات التي رأيناها من سلمان! كان يضع يده تحت القدر فيغلي! فرآه أحدهم وجاء مسرعًا: يا رسول الله! رأيت سلمان يضع يده تحت القدر...
فقال له النبيّ [ما معناه]: عزيزي، اذهب في شأنك، فهو لم يفعل شيئًا يذكر!...
هل هذا واضح؟! أقول لكم: إنّه لم يكن هناك أمر يعجز سلمان عن فعله! أيّ أمر تتصوّرونه في أذهانكم الآن؛ كأن يُحوّل هذا إلى ذهب، أو يُحرّك الشمس أو القمر، أو أيّ أمر تتخيّلونه؛ وأنا أضمن لكم ذلك، واسألوني عنه يوم القيامة.
هل تَوَضّح الأمرُ؟ حسنًا. عندما يتفوّه إنسان كهذا بكلام، فبماذا ستُفكّرون؟ هل ستُسارعون بتكفيره؟ لا! بل ستجلسون وتتأمّلون قائلين: إلهي! ما هذا؟ وما ذاك؟ وما هذا الكلام؟ ومَن هذه الشخصيّة؟ شخصيُّته ليست عاديّة، فما حقيقة هذه المسألة؟ من جهة، تعجزون عن استيعاب الأمر؛ ومن جهة أُخْرى، لا يسعكم إنكار شخصيّته؛ فتُصابون بالحيرة والذهول، وتضطرب عقولكم...
في الحالة الأُولى، كنتم تقولون: إنّ سلمان فقد صوابه وسنعود إليه في المساء؛ أمّا هنا، فالفرد يُصاب بالذهول الذي قد يدفعه لإيذاء نفسه، أو الإقدام على الانتحار؛ لأنّه سمع من سلمان ما لا يُمكنه إنكاره أو ردّه، ويعلم أنّ سلمان لا ينطق بالهراء والباطل، فيؤثّر ذلك على عقله وأعصابه وجوارحه، ويُصيبه بالجنون، ويدفعه لقتل نفسه.
إذًا، تعود (قَتَلَه) إليه نفسه. فإمّا أن يُكفّره بناءً على الفرض الأوّل، أو يلحق الأذى بنفسه، ويقتلها بناءً على الفرض الثاني؛ وكان «المرحوم السيّد الحدّاد» يتبنّى هذا المعنى.
حسنًا، انظروا الآن أيّ المعنيين أفضل؟ المعنى الأوّل الذي يُفيد إمّا تكفيره أو قتله، هو معنى عاديّ وبسيط ويقوله الجميع. أمّا هذا المعنى، فكم هو أدقُّ وأعمق!
حسنًا، يأتي إنسان، فيستخرج ثلاثين معنًى من لفظ واحد. وقد ذكرنا لكم اثنين منها الآن، وهناك أشياء أُخْرى.
مقامات الأولياء الصغار: هل يفوق مقام السيّدة رقيّة وعليّ الأصغر بعض الأنبياء؟
فماذا تكون النتيجة؟ المسألة هي: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. إنّ الله يمنح الذين آمنوا وأُوتوا العلم درجات من المعرفة. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ... دَرَجَاتٍ﴾؛ يرفع درجاتهم، وبناءً عليها، يصل كلّ فرد إلى درجة خاصّة. فللأنبياء درجتهم الخاصّة، وللأولياء درجتهم، ولأصحاب الأئمّة درجتهم. فلم يكن الأنبياء جميعًا في درجة واحدة. ويبدو أنّني قد أوضحت اختلاف مراتب الأنبياء في الجزء الثاني من كتاب (أسرار الملكوت)، أو في كتاب (أفق الوحي). وكيف أنّ الأنبياء أنفسهم كانت لهم درجات ومراتب بحسب مراتب معرفتهم ومدى إدراكهم. فنحن الآن نسمع كلمة «نبيّ الله!»، ونظنّ أنّ الأمر يقتصر على هذه الكلمة.
