
التصديق بالحقائق الغيبيّة وشروط الارتقاء المعنويّ
أسرار التفاوت المعرفيّ بين الأصحاب وحقيقة الأهداف الحسينيّة
هل يكفي الاعتقاد القلبيّ للنجاة وبلوغ المقامات العُليا؟ ما هو السرّ وراء التفاوت المعرفيّ بين كبار الأصحاب كأبي ذرّ وسلمان؟ كيف يمكن لعالمٍ أن يستخرج ثلاثين تفسيرًا مختلفًا لآية قرآنيّة واحدة؟ وهل الغاية من إحياء عاشوراء تقتصر على إظهار الحزن واللطم أم تتعدّى ذلك إلى التماهي مع الأهداف الحسينيّة العظيمة وتطبيقها؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً الآليّات العمليّة للسلوك إلى الله تعالى وفق مدرسة العرفان واليقين.
التصديق بالحقائق الغيبيّة وشروط الارتقاء المعنويّ
5هذا الكلام ليس مزاحًا! فنحن نجهل الكثير من المسائل.
في زمن المرحوم العلاّمة ـ وبالطبع كان الخلل في الفرد نفسه حتّى وصل إلى ما وصل إليه ـ كان هناك رجل من أهل العلم والفضل، ذهب إلى النجف، وبقي فيها لسنوات، وعاشر الكثير من الأفراد، وجاء وكان من تلامذة المرحوم العلاّمة لمدّة، وتحسّن حاله إلى حدّ ما، وكانت لديه مسائل، إلى أن... ففي النهاية، يتعرّض الجميع لهذه الامتحانات والمسائل، وقد واجه هو أيضًا بعض المسائل؛ وخلاصة القول، إنّه لم ينجح فيها. وفي تلك الأثناء، أعطاه المرحوم العلاّمة أمرًا. أمره بذكرٍ ليُواظب عليه لأربعين يومًا، وطلب منه أن يستحضر هذا المعنى المُعيَّن للذكر.
يتبيّن من هذا أنّ الذكر قد يحمل معاني مختلفة. قد يتبادر معنى ابتدائيّ إلى ذهن إنسان... فهذه الكلمة القصيرة المركّبة من أحرف معدودة «لا إله إلاّ الله»، لو سألتكم عنها، لأجابني كلّ واحد منكم بجواب مختلف. هل هذا واضح؟! «لا إله إلاّ الله»، نحن نُردّدها من الصباح إلى المساء، حيث نُردّد قول «لا إله إلاّ الله»، و«سبحان الله»؛ وهذا المعنى المتداول لـ«لا إله إلاّ الله» يألفه الجميع، فكيف إذا أردنا التعمّق والدقّة! حينها، نرى العجب!
بطون الآيات القرآنيّة: كيف استخرج عالم نجفيّ ثلاثين تفسيرًا لآية واحدة؟
لقد بيّنت لكم هذا الأمر سابقًا. لا أدري إن كنت قد ذكرته هنا أم في مكان آخر، وهو قصّة ذلك الرجل الذي فسّر آية قرآنيّة بثلاثين وجهًا!
كان من عظماء النجف، وهو المرحوم الآخوند الملاّ فتح علي السلطان آبادي، والذي كان رجلاً عظيمًا جدًّا قبل حوالي مائة أو ثمانين عامًا.
كان إنسانًا عظيمًا ومن أرباب المعاني [الروحانيّة]، لكنّه لم يكن عارفًا؛ فمسألة العرفان مسألة أُخْرى وأفق آخر. كان عظماء النجف أمثال «المرحوم النائينيّ» و«المرحوم الآقا ضياء العراقيّ» و«المرحوم الكُمبانيّ» يحضرون درس التفسير الذي يُلقيه. ولم تكن مجالسُه عامّةً. ففي ليالي شهر رمضان المبارك، كان باب منزله مُغلقًا، ولا يأتي سوى خواصّ الأفراد، حيث يطرقون الباب فيُفتح لهم؛ لم يكن الباب مشرعًا لمن هبّ ودبّ. كان يحضر درسه حوالي عشرة أو عشرين من نُخبة عظماء النجف. وكان يعقد مجلسًا قرآنيًّا في ليالي شهر رمضان بعد صلاة المغرب بساعتين، فيقرأ القرآن لنصف ساعة ثمّ يفسّره... وكان يفعل ذلك في كلّ ليلة من ليالي شهر رمضان. وكما ذكرت سابقًا، كان مجلسه خاصًّا.
