
التصديق بالحقائق الغيبيّة وشروط الارتقاء المعنويّ
أسرار التفاوت المعرفيّ بين الأصحاب وحقيقة الأهداف الحسينيّة
هل يكفي الاعتقاد القلبيّ للنجاة وبلوغ المقامات العُليا؟ ما هو السرّ وراء التفاوت المعرفيّ بين كبار الأصحاب كأبي ذرّ وسلمان؟ كيف يمكن لعالمٍ أن يستخرج ثلاثين تفسيرًا مختلفًا لآية قرآنيّة واحدة؟ وهل الغاية من إحياء عاشوراء تقتصر على إظهار الحزن واللطم أم تتعدّى ذلك إلى التماهي مع الأهداف الحسينيّة العظيمة وتطبيقها؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً الآليّات العمليّة للسلوك إلى الله تعالى وفق مدرسة العرفان واليقين.
التصديق بالحقائق الغيبيّة وشروط الارتقاء المعنويّ
4معضلة تكفير سلمان: كيف نفهم مقولة أبي ذرّ؟
ومن جهة أُخْرى، تجدونهم يقولون: «لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله»،۱ أو «لكفّره»؛٢ أي لقال: إنّ هذا الرجل كافر! وما هذا الهذيان الذي يتفوّه به؟ وما هذا الكلام؟
أبو ذرّ يرمي سلمان الصحابيّ الجليل بالكفر! ويقول: إنّه كفر، وفقد صوابه، ولا يعي ما يقول بتاتًا!
فهو لا يستطيع أن يُدرك، ولا يمكنه أن يفهم، ولا يستطيع أن يحسّ أو يصل إلى تلك الحقيقة! ففي ثقافة أبي ذرّ، وفي موسوعته ومعجم لغاته، لا وجود للأسرار التي في قلب سلمان! لا توجد حقيقة كهذه في قاموس أبي ذرّ. لكلّ إنسان قاموسه الخاصّ، ومعجمه الخاصّ، وموسوعته الخاصّة. وتلك الموسوعة تتشكّل بناءً على مستوى الفهم الذي اكتسبه من طرق متعدّدة؛ إمّا من خلال التواصل مع الأصدقاء، أو من خلال المطالعات في الكتب والمقالات والكتابات المختلفة. وجزء منها يرتبط بكيفيّة اتّصاله وارتباطه؛ فقد يكتسب الإنسان مسائل كثيرة عبر الاتّصال بالباطن، لكنّه يعجز عن التعبير عنها.
فهذه المجموعة من المسائل المختلفة، من الاتّصال الباطنيّ، والارتباط بالصديق والرفيق والأستاذ (سواء الأستاذ العلميّ أو المطالعات الشخصيّة)، تخلق موسوعةً في كيان كلّ فرد؛ فيرى العالم من خلال عدسة هذه الموسوعة. وموسوعة كلّ إنسان تختلف عن الآخر. فهذا يرى بنحو، وذاك يرى بنحو آخر. ينظر هذا إلى إنسان فيقول: يجب ملاحقة هذا الفرد والتضييق عليه وتدميره؛ بينما ينظر ذاك إلى الفرد نفسه فيقول: دعه! فالأمر لا يستحقّ كلّ هذا! مع أنّ معلوماتهما عن هذه المسألة واحدة؛ أي أنّ ما ظهر من هذا الفرد واحد، والمسائل التي رأياها والآثار المترتّبة واحدة؛ ولكن، توجد رؤيتان تجاه هذا الأمر:
الرؤية الأُولى: لاحِقه، وتتبّعه، ولَقِّنه درسًا قاسيًا، واطرحه أرضًا وأسقطه!
والرؤية الثانية تقول: عزيزي، الأمر لا يستحقّ، فلماذا تُتعب نفسك بلا طائل؟! ولماذا تقوم بعمل عبثيّ؟! ولماذا...؟! فوّض أمره إلى الله، واقبل بما يقضيه الله ويُقدّره.
هاتان الرؤيتان تنبعان من فكرتين موجودتين في ثقافة الناس.
حسنًا، انظروا الآن ماذا كان يوجد في موسوعة أبي ذرّ، بحيث لو أُخبر بما في موسوعة سلمان، لقال: «حتمًا إنّه كفر؟! فالإنسان المسلم والمؤمن لا يتفوّه بمثل هذا الكلام!».
- بصائر الدرجات، ج ۱، ص ٢٥. المترجم
- الوافي، ج ۱، ص ۱۱. المترجم
