
التصديق بالحقائق الغيبيّة وشروط الارتقاء المعنويّ
أسرار التفاوت المعرفيّ بين الأصحاب وحقيقة الأهداف الحسينيّة
هل يكفي الاعتقاد القلبيّ للنجاة وبلوغ المقامات العُليا؟ ما هو السرّ وراء التفاوت المعرفيّ بين كبار الأصحاب كأبي ذرّ وسلمان؟ كيف يمكن لعالمٍ أن يستخرج ثلاثين تفسيرًا مختلفًا لآية قرآنيّة واحدة؟ وهل الغاية من إحياء عاشوراء تقتصر على إظهار الحزن واللطم أم تتعدّى ذلك إلى التماهي مع الأهداف الحسينيّة العظيمة وتطبيقها؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً الآليّات العمليّة للسلوك إلى الله تعالى وفق مدرسة العرفان واليقين.
التصديق بالحقائق الغيبيّة وشروط الارتقاء المعنويّ
3يجب أن تنظروا إلى كثرة ما لدينا من ثناء على أبي ذرّ من قِبل رسول الله والأئمّة وأمير المؤمنين عليهم السلام، وإلى المسائل التي واجهها، وما فعله معاوية في عهد أمير المؤمنين، وكيف دعمه أميرُ المؤمنين بعد ذلك. وعندما نفى عثمان أبا ذرّ إلى الربذة، وأمر ألاّ يُودّعه أحد حتّى يخرج وحيدًا؛ فذهب إلى هناك، وانتقل إلى رحمة الله في الربذة نفسها. وتقع الربذة الآن على بُعد بضعة فراسخ من المدينة المنوّرة، ويزورها بعض الناس.
وعندما جاء مروان، ورأى أنّ أمير المؤمنين يُودّع أبا ذرّ برفقة الحسنين عليهما السلام، وقف وقال: أنتم تُخالفون أمر الخليفة.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام [ما معناه]: اذهب في شأنك، فهذا لا يعنيك.
فأراد مروان أن يعترض طريق دابّة الإمام، فضرب عليه السلام دابّة مروان بالسوط ضربة كادت تُسقطه عنها، وأكملوا طريقهم إلى خارج المدينة؛ فودّعوه وشيّعوه ثمّ عادوا.۱
لدينا مسائل كثيرة جدًّا حول أبي ذرّ. فهو أحد الأربعة الذين ثبتوا على ولاية أمير المؤمنين بعد رسول الله. فالجميع ذهبوا! ذهبوا جميعًا إلى السقيفة وما شابه ذلك. ولم يبق سوى هؤلاء النفر، وكان أبو ذرّ أحدهم.
لا يوجد من هو أصدق لهجة من أبي ذرّ،٢ ولا أصفى سريرة منه...
لدينا كلّ هذه التعابير والكلمات حول أبي ذرّ من الأئمّة عليهم السلام ومن النبيّ صلّى الله عليه وآله نفسه. ولكن، عندما تتأمّلون، تجدون أنّه رغم عقد الأخوّة بين سلمان وأبي ذرّ ليكونا أخوين في الإيمان، حيث كان رسول الله يُواخي بين كلّ إنسان ونظيره؛ فمثلاً آخى بين أبي بكر وعمر! ولا يوجد من هو أنسب من هذين لبعضهما! بل يجب أن يكونا أخوين؛ وإلاّ، فمن عساه أن يُواخي عمر من بين أصحاب النبيّ؟! إنّ أنسب فرد وأليقه به هو أبو بكر! وكذلك الأمر بالنسبة لأبي بكر، فأنسب فرد له هو عمر! هكذا كان النبيّ يعقد الأخوّة بين الأفراد، وكذلك فعل بين نفسه وبين أمير المؤمنين، حيث توجد في ذلك قصّةٌ نقلها المرحوم العلاّمة في كتاب (معرفة الإمام). وخلاصة الأمر أنّه آخى بين سلمان وأبي ذرّ؛ أي أنّه كان بينهما تناسب كبير.
- راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ۸، ص ٢٥٣. المترجم
- البرهان في تفسير القرآن، ج ٢، ص ۸٢۰:
«قال النبيّ صلى الله عليه وآله: "ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجةً من أبي ذرّ"». المترجم
