
التصديق بالحقائق الغيبيّة وشروط الارتقاء المعنويّ
أسرار التفاوت المعرفيّ بين الأصحاب وحقيقة الأهداف الحسينيّة
هل يكفي الاعتقاد القلبيّ للنجاة وبلوغ المقامات العُليا؟ ما هو السرّ وراء التفاوت المعرفيّ بين كبار الأصحاب كأبي ذرّ وسلمان؟ كيف يمكن لعالمٍ أن يستخرج ثلاثين تفسيرًا مختلفًا لآية قرآنيّة واحدة؟ وهل الغاية من إحياء عاشوراء تقتصر على إظهار الحزن واللطم أم تتعدّى ذلك إلى التماهي مع الأهداف الحسينيّة العظيمة وتطبيقها؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً الآليّات العمليّة للسلوك إلى الله تعالى وفق مدرسة العرفان واليقين.
التصديق بالحقائق الغيبيّة وشروط الارتقاء المعنويّ
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد
وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين.
التصديق بالحقائق الغيبيّة: هل الاعتقاد القلبيّ كافٍ للنجاة؟
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.۱ معنى هذه الآية القرآنيّة هو أنّ الله تعالى يرفع الذين آمنوا به وصدّقوه؛ أي صدّقوا بوجود عالم الغيب، وصدّقوا بوجود العوالم الربوبيّة، والتزموا بهذا التصديق. لأنّ الإنسان قد يصدّق بشيء ما ولكنّه لا يلتزم به. فالالتزام يحتاج إلى توفيق آخر غير التصديق. نحن جميعًا نُؤمن بالموت الآن، ولدينا يقين به؛ وفي كلّ مجلس عزاء نُشارك فيه، نعلم أنّهم غدًا سيُشاركون من أجلنا في مثل هذا المجلس. كلّنا نعلم هذا؛ ولكن، إلى أيّ مدًى نحن ملتزمون بهذا التصديق؟! كم بالمائة نحن ملتزمون بهذا الاعتقاد وبهذا اليقين؟
ولهذا، يقول أمير المؤمنين عليه السلام [ما معناه]: «ما رأيت يقينًا أشبه بشكّ من الموت».٢ فمع أنّ الجميع على يقين بهذه المسألة، إلاّ أنّ التعامل الذي يبدونه تجاهها هو تعامل من يتعامل مع أمر مشكوك فيه. فالإنسان لا يُعير الأمرَ المشكوك اهتمامًا كبيرًا، بل يرفضه بصفته مجرّد احتمال، ولا يعتني به، ولا يُرتّب عليه أثرًا.
تقول الآية القرآنيّة: إنّ الذين آمنوا بنا وصدّقونا، نُوصلهم إلى مراتب مختلفة من العلم والمعرفة. آمنوا و ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. نحن نجعل لهم درجات مختلفة، والله تعالى هو الذي يفعل ذلك؛ ولهذا، ينسب هذه المسألة إلى نفسه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ﴾؛ أي يرفع الإنسانَ إلى درجاتٍ من العلم والفهم والبصيرة والوعي تجاه حقائق عالم الوجود وأسراره ورموزه.
اختلاف المراتب بين الأصحاب: ما هو سرّ التفاوت المعرفيّ؟
حسنًا، من الواضح أنّه يلزم أمران للترفيع: الأوّل، الأداة اللازمة؛ والثاني، استعداد الإنسان وتهيّؤه لهذه المسألة. يجب أن يتحقّق هذان الأمران هنا حتّى يتمكّن الفرد من الارتقاء إلى المراتب والدرجات.
ولهذا، كنّا نرى هذه المسألة بوضوح في زمن الأئمّة عليهم السلام، ونُشاهد كيف كانت هناك مراتب مختلفة بين أصحابهم عليهم السلام. وكذلك كانت هناك مراتب مختلفة بين أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله: فهذا يُصبح مثل أبي ذرّ، وذاك مثل المقداد، وآخر مثل أُويس، وغيره مثل سلمان، وذاك مثل عمّار. لم يكونوا جميعًا في مرتبة واحدة. المراتب المختلفة أمر طبيعيّ وُجد بين الأفراد في كلّ زمان، ونحن نُشاهد هذا الاختلاف؛ وأحيانًا، يكون هذا الاختلاف عميقًا وجذريًّا جدًّا، وليس اختلافًا سطحيًّا وعاديًّا!
- سورة المجادلة، الآية ۱۱.
- الجعفريّات (الأشعثيّات)، ص ٢۷٣:
«أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام قَالَ: "... مَا رَأَيْتُ إِيمَانًا مَعَ يَقِينٍ أَشْبَهَ بِشَكٍّ عَلَى هَذَا الْإِنْسَانِ إِنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ يُوَدِّعُ وإِلَى الْقُبُورِ يُشَيِّع ..."». المترجم
