
التصديق بالحقائق الغيبيّة وشروط الارتقاء المعنويّ
أسرار التفاوت المعرفيّ بين الأصحاب وحقيقة الأهداف الحسينيّة
هل يكفي الاعتقاد القلبيّ للنجاة وبلوغ المقامات العُليا؟ ما هو السرّ وراء التفاوت المعرفيّ بين كبار الأصحاب كأبي ذرّ وسلمان؟ كيف يمكن لعالمٍ أن يستخرج ثلاثين تفسيرًا مختلفًا لآية قرآنيّة واحدة؟ وهل الغاية من إحياء عاشوراء تقتصر على إظهار الحزن واللطم أم تتعدّى ذلك إلى التماهي مع الأهداف الحسينيّة العظيمة وتطبيقها؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً الآليّات العمليّة للسلوك إلى الله تعالى وفق مدرسة العرفان واليقين.
التصديق بالحقائق الغيبيّة وشروط الارتقاء المعنويّ
11قال المرحوم العلاّمة: «وما المانع في أن تكون السيّدة رقيّة...». مَن الذي يقول هذا؟ إنّه المرحوم العلاّمة! إنّه فقيه! فقيه يشعر بالمسؤوليّة تجاه ما يقوله، وعالم يشعر بالمسؤوليّة تجاه كلماته. ما المانع في أن تنال السيّدة رقيّة التي استُشهدت في الثالثة من عمرها... فهي شهيدة، وتلك شهادة، بتلك الكيفيّة القاسية حين أُحضر رأس أبيها فلم تحتمل الموقف؛ فما المانع أن تبلغ في البرزخ وعالم المثال ـ تحت تربية والدها ـ مقامًا يفوق مقام الأنبياء!
انظروا! ما المانع من ذلك؟! هل تظنّون أنّ عليًّا الأصغر الذي قُتل بسهم مثلّث ـ وهو ابن ستّة أشهر ـ بين يدي أبيه قد طُوي سجلّه عند ذلك الحدّ؟ إنّ هذا لظلم! إنّه ظلم من الله! سيقول عليّ الأصغر: «ما الذي ينقصني عن أخي الأكبر عليّ الأكبر حتّى يُمدّ له في العمر ليبلغ نيّفًا وثلاثين عامًا»؛ وذلك لأنّ عليًّا الأكبر كان في الثلاثينيّات من عمره، ولم يكن ابن ثمانية عشر عامًا. كان أكبر من الإمام السجّاد الذي كان الابن الثاني للإمام الحسين. وكان عليّ الأكبر الابن الأوّل؛ ولهذا، قال معاوية في حواره مع ذلك الرجل: إنّ أحقّ الناس بالخلافة هو عليّ الأكبر بن الحسين بن عليّ لأنّه يجمع الصفات كلّها... هل هذا واضح؟ فهل يأتي عليّ الأكبر إلى كربلاء في الثلاثينيّات من عمره، ويشهد تلك الأحداث، ويُستشهد، وينال مقامًا يغبطه عليه الأوّلون والآخرون، ويُحرم عليّ الأصغر من ذلك، ويقول: ألم أُستشهد أنا أيضًا؟! بل إنّ شهادتي كانت أشدّ إيلامًا! فما الفَرق بيني وبينه؟! الفَرق الوحيد هو أنّه في الثلاثينيّات، وأنا ابن ستّة أشهر.. هذا هو الفَرق. فلو قُدّر لي البقاء في هذه الدنيا وبلوغ الرابعة والثلاثين، أفلم أكُن لأبلغ مرتبة أخي الأكبر؟!
أجل! لعلّه كان سيبلغ المرتبة نفسها، ومن يدري؟!
إذًا، فقد ظلمني الله تعالى حين جعلني هدفًا لسهم حرملة في الشهر السادس من عمري، بينما مدّ في عمر أخي ليبلغ الرابعة والثلاثين، ويرتقي في مدارج النموّ والكمال، ثمّ يُستشهد في كربلاء. أليس هذا ظلمًا؟! إنّه قمّة الظلم.
