
التصديق بالحقائق الغيبيّة وشروط الارتقاء المعنويّ
أسرار التفاوت المعرفيّ بين الأصحاب وحقيقة الأهداف الحسينيّة
هل يكفي الاعتقاد القلبيّ للنجاة وبلوغ المقامات العُليا؟ ما هو السرّ وراء التفاوت المعرفيّ بين كبار الأصحاب كأبي ذرّ وسلمان؟ كيف يمكن لعالمٍ أن يستخرج ثلاثين تفسيرًا مختلفًا لآية قرآنيّة واحدة؟ وهل الغاية من إحياء عاشوراء تقتصر على إظهار الحزن واللطم أم تتعدّى ذلك إلى التماهي مع الأهداف الحسينيّة العظيمة وتطبيقها؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً الآليّات العمليّة للسلوك إلى الله تعالى وفق مدرسة العرفان واليقين.
التصديق بالحقائق الغيبيّة وشروط الارتقاء المعنويّ
10ذهبت ذات مرّة لزيارة أحد الأعلام المشهورين في طهران، وذلك في الزمن الماضي.. زمن الشاه. وكان عمري حينها حوالي ثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين عامًا. ذهبت لمناسبة ما برفقة بعض الإخوة لأنقل له رسالة من المرحوم العلاّمة. وكان إمام جماعة في أحد مساجد طهران المشهورة، وقد تُوفّي الآن.
وبينما نحن جالسون، بدأ فجأة بالتحدّث عن رجل من أهل المعرفة (وقد تُوفّي هو الآخر)، قائلاً: إنّه صرّح في أحد مجالسه أنّ مقام السيّدة رقيّة أرفع من مقام الأنبياء ـ أي رقيّة ابنة سيّد الشهداء عليه السلام ـ فما هذا الكلام الذي يتفوّه به؟!
الأنبياء! مقام الوحي!
وقام بمدّ كلمة (الوحي)! حتّى وصل إلى القول: هذا مقام الوحييييييي! هذا مقام...
نعم! إنّها تتمتّع بالعظمة! فهي ابنة سيّد الشهداء، وعلينا احترامها، ولكنّ مسألة الوحي أمر آخر...
لقد ناقشته في الأمر قليلاً، ولم يرق له كلامي. عدت إلى المنزل ونقلت القصّة إلى المرحوم العلاّمة، وأخبرته بما قاله ذلك الرجل، واعتراضه، وقوله إنّ الأنبياء يمتلكون مقام الوحي، وأنّنا نحترم السيّدة رقيّة ولكن...
نحترمها! وكأنّه يتحدّث عن ابنة عمّته! نعم، نحن نحترمها؛ ففي النهاية، هي ابنة الإمام الحسين، ولها كلّ الاحترام...
تذكّرت الآن أنّنا كنّا جالسين في حرم السيّدة رقيّة، وكنت جالسًا في الزاوية. صلّيت، ثمّ وقع نظري فجأة على سجّادة؛ وينبغي أن تكون موجودة الآن، وأظنّ أنّ الرفقاء قد رأوها إن زاروا الحرم. كانت سجّادة أصفهانيّة منسوجة يدويًّا ومؤطّرة، وقد نُسجت في أسفلها عبارة تقول: إهداء من (اسم فتاة) إلى صديقة طفولتها ذات الثلاث سنوات.. السيّدة رقيّة! راجية منها الدعاء لتُشفى من مرض السرطان إن شاء الله!
هذه الطفلة ذات الثلاث سنوات تهديها إلى صديقة طفولتها السيّدة رقيّة!
قلت في نفسي: عجبًا حقًّا! ماذا عسانا أن نقول؟! وبأيّ تعبير نَصِف هذا؟!
إنّها الطفلة التي كان أولياء الله يُقبّلون عتبة بابها لزيارتها، فانظروا كيف يتصوّر الناس الأمر! إهداء من الطفلة الفلانيّة المريضة بالسرطان إلى صديقة طفولتها السيّدة رقيّة، راجية الشفاء ببركة دعائها!
هذا هو حالنا! وهذه هي معرفتنا! ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، هذه هي درجاتنا! فنحن لا نُفرّق بين السيّدة رقيّة، وبين أيّ طفلة أُخْرى في الثالثة من عمرها.
