
المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق
حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق
كيف يورث التسليمُ التامّ لله تعالى بصيرةً وفطنةً تفوق التفكير الفلسفيّ المجرّد؟ وهل يُمكن للإنسان أن يجمع بين الانهماك في الكثرات الدنيويّة وبين الوصول إلى الكليّة والتجرّد في العبادات كالصلاة؟ وما هو المعنى الحقيقي والدقيق لمقولة: الحقّ مع عليّ وعليّ مع الحقّ في كافّة المواقف مهما كانت؟ ولماذا يرفض أولياء الله اللجوء إلى الكذب تحت مسمّى المصلحة؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة العميقة، موضّحةً دور المراقبة في حياة السالك، مع ذكر شواهد تاريخيّة وواقعيّة، ومواقف دقيقة من حياة العظماء.
المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق
9وهم المصلحة الكاذبة في مقابل وجوب الالتزام بالصدق
هكذا كان أولياء الله تعالى. كان الحقّ دائمًا نصب أعين أولياء الله، ولم يكترثوا للون والبشرة والشعر والمظهر واللباس. هذا هو الفارق بين وليّ الله وغير وليّ الله! فغير وليّ الله ينظر إلى ما تقتضيه المصلحة! ماذا؟! وهل لديكم مصلحة أسمى من الصدق يا عزيزي؟!
أحيانًا، تطرأ لي بعض المسائل؛ مثل هذه القضايا التي أقول فيها: «حسنًا، إذا قلتُ الصدق أو طرحتُ المسألة بهذا [الشكل الذي هي عليه]، فقد يُخدش اعتقادُ فلانٍ!». ثمّ أقول في نفسي: ما شأنك إن كان سيُخدش؟! إلى الجحيم! فليُخدش! لماذا تكذب أنت؟! لماذا يجب أن تكذب؟! وهل الأمر بيدي؟! الأمر لله، لعليّ، لإمام الزمان، فما شأني أنا؟! لماذا تكذب أنت؟! لماذا تخفي؟! [لماذا] تستر الأمر؟! كي لا يتزعزع اعتقاده؟! لا أريده أن يبقى لمائة عام! ذلك الاعتقاد الذي سيحصل لأحدهم بالكذب، لا أريده أن يكون لمائة عام! أيّة مصلحة تلك التي يجب أن تبقى بالإخفاء؟ هذا هو الواقع يا سيّدي! لِيَزُل اعتقادُه، فليزُل! لا أريده أن يكون في الأساس! لا أنّه سيزول، بل لا أريد أن يكون مثل هذا الاعتقاد بتاتًا، حتّى أضطرّ للكذب لكيلا يزول اعتقاده! [وأقول:] «كلاّ! ليس من الصلاح الآن!».
إلى متى تريد أن يبقى هذا الاعتقاد؟! أوّلاً، هل إنّ الاعتقاد بهذا الشكل سيدوم دائمًا؟! نحن بسطاء جدًّا! ألن تحدث أيّة قضيّة؟! ألن تأتي أيّة واقعة لتقلبه؟! هل سيبقى هكذا حتّى النهاية؟! والحال أنّه لا يوجد شيء كهذا، ولم يكن، ونرى أنّه ليس كذلك. ثانيًا: ألن يأتي هذا الرجل غدًا ليقول لك: «لقد خُنتني»؟! لماذا أبقيتني في الجهل بإخفائك هذا؟! فماذا سيكون جوابك؟! ستقول: «أنا لم أقُل ذلك من أجلك!». [سيقول:] «وما شأنك أنت؟! هل أنت وليّي؟! هل أنت القيّم عليّ؟! هل أنت إلهي؟! هل أنت الملكان الرقيب والعتيد عليّ؟! مَن تكون أنت حتّى تأتي [وتكذب عليّ] من أجل اعتقادك؟! ولماذا خُنتني في الأساس؟! لماذا لم تقُل لي الحقّ؟! لماذا أخفيت؟! [يقول:] «أنا أمسكت [رعايةً لمصلحتك]! كتمت [من أجل صلاحك]!» [قلت:] «ليس من الصلاح! ليس من المصلحة!». أظنّ أنّ أكثر الكلمات استعمالاً بيننا هي هذه «الصلاح» و«المصلحة»!
