
المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق
حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق
كيف يورث التسليمُ التامّ لله تعالى بصيرةً وفطنةً تفوق التفكير الفلسفيّ المجرّد؟ وهل يُمكن للإنسان أن يجمع بين الانهماك في الكثرات الدنيويّة وبين الوصول إلى الكليّة والتجرّد في العبادات كالصلاة؟ وما هو المعنى الحقيقي والدقيق لمقولة: الحقّ مع عليّ وعليّ مع الحقّ في كافّة المواقف مهما كانت؟ ولماذا يرفض أولياء الله اللجوء إلى الكذب تحت مسمّى المصلحة؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة العميقة، موضّحةً دور المراقبة في حياة السالك، مع ذكر شواهد تاريخيّة وواقعيّة، ومواقف دقيقة من حياة العظماء.
المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق
8لا يختلف الأمر، سواء كانت ترتدي العباءة أو سافرة، وسواء كان ملتحيًا أو حليق اللحية؛ ففي أيّ مكان نطق فيه الإنسان بكلمة الحقّ، فعليّ موجود هناك! حتّى لو كانت سافرة، فلتكن! حتّى لو كان مُلحدًا، فليكُن! لماذا؟ لأنّ «الْحَقَّ مَعَ عَلِيٍّ»؛ لا أنّ هذا الحقّ منفصل عن عليّ، وأنّ عليًّا متطابق هناك مع ذلك الحقّ في الأقضية والأحداث والمسائل [ويعمل وفقًا للحقّ]! كلاّ! لقد قالها النبيّ صلّى الله عليه وآله على نحو الإطلاق؛ فالألف واللام في [الحقّ] هي في الأساس ألف ولام الجنس؛ [أي] إنّ أمير المؤمنين عليه السلام مع الحقّ!
لو أتينا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وقلنا: يا سيّدي! في هذه القضيّة وهذا الخلاف القائم بين مجوسيّين أو نصرانيّين أو مُلحدين أو شيوعيّين ـ الشيوعيّ الذي لا يعترف بالله ولا بأيّ شيء آخر ـ يقول هذا: «لقد قلت لي هذا الكلام»، وهو صادق، ويأتي ذاك [الآخر] بناءً على الكذب ويقول: «أنا لم أقل لك هذا الكلام»، وينكر ويكذب؛ لا أنّه يشتبه، بل يكتم...
في القضيّة نفسها، افترضوا شيوعيّين يعيشان في الجانب الآخر من العالَم في المجموعة الشمسيّة، فيقول هذا الشيوعيّ لخصمه: «لقد قلت لي هذا الكلام»، وهو صادق. ويقول الخصم: «أنا لم أقل لك هذا الكلام»، وينكر ويكذب؛ فهنا، يكون عليّ موجودًا؛ وهناك (أي في مقابل عليّ)، مَن يكون موجودًا؟ لن أذكر اسمه الآن.. يكون الشيطان موجودًا! لماذا؟ لأنّ عليًّا هو مظهر الصدق، وأينما كان الصدق، يقول: «أنا حاضر».
لو كان أمير المؤمنين عليه السلام قاضيًا هناك، وكان الخلاف بين هذين الشيوعيّين ـ اللذين لا يعترفان بعليّ بتاتًا، فضلاً عن إله عليّ ـ فلمن سيعطي الحقّ؟ حتمًا، سيقول عليّ عليه السلام: «أنت صدقت وأنت كاذب! أنت كاذب والويل لك! أنت على باطل!». [وإذا قال ذلك الرجل معترضًا]: «يا عليّ! هذا الذي صدق، لا يعترف بإلهك!»، سيقول [عليّ عليه السلام]: «وإن لم يعترف، فكلامه حقّ».۱ هذا هو أمير المؤمنين عليه السلام!
انظروا حينها أيّ آفاق ستنفتح في أذهاننا وأفكارنا: سنخرج من هذه القيود؛ سنخرج من هذه القيود المكبّلة كالسلاسل التي قيّدت أيدينا وأرجلنا معًا. أينما كان الصدق، فعليّ موجود هناك. افترضوا أنّ رجلاً يتحدّث بالصدق هنا، فعليّ واقف بجانبه. وأينما كان الكذب ـ كائنًا مَن كان ـ فماذا يوجد هناك؟ الشيطان واقف إلى جانبه؛ الشيطان [موجود هناك] بلا شكّ! لماذا؟ لأنّ عليًّا لا يكذب. فالمكان الذي فيه كذب، ليس فيه عليّ. والمكان الذي فيه غشّ، ليس فيه عليّ. والمكان الذي فيه مكر وخداع وحيلة، ليس فيه عليّ؛ حتّى لو قلنا: «نحن [في جهة] عليّ! نحن شيعة! انظروا إلى هيئتنا أيضًا! أيّها الناس! انظروا! ما شاء الله! هذه هيئتنا أيضًا!». كلاّ! الشيطان إلى جانبي؛ الشيطان واقف [إلى جانبي]؛ لماذا؟ لأنّ «عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ»؛ وليس «عَلِيٌّ مَعَ الْكَذِبِ!»، ولا «عَلِيٌّ مَعَ الْخِدَاعِ!»، ضعوا ألفًا ولامًا فتصبح عربيّة! «الْخِدَاعِ!»، ولا «عَلِيٌّ مَعَ الـ...!» ضعوا ألفًا ولامًا في كلّ مكان لنجعلها عربيّة! كلاّ! «عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ!».
- راجع: الروح المجرّد، ص ٣٤٦، تحقيق للحقير حول سير وسلوك الأفراد من الأديان والمذاهب.
