
المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق
حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق
كيف يورث التسليمُ التامّ لله تعالى بصيرةً وفطنةً تفوق التفكير الفلسفيّ المجرّد؟ وهل يُمكن للإنسان أن يجمع بين الانهماك في الكثرات الدنيويّة وبين الوصول إلى الكليّة والتجرّد في العبادات كالصلاة؟ وما هو المعنى الحقيقي والدقيق لمقولة: الحقّ مع عليّ وعليّ مع الحقّ في كافّة المواقف مهما كانت؟ ولماذا يرفض أولياء الله اللجوء إلى الكذب تحت مسمّى المصلحة؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة العميقة، موضّحةً دور المراقبة في حياة السالك، مع ذكر شواهد تاريخيّة وواقعيّة، ومواقف دقيقة من حياة العظماء.
المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق
4قيل: «مِمَّنْ تَعَلَّمْتَ الْأَدَبَ؟»، قال: «مِنْ قَلِيلِي الْأَدَبِ!». وبعد ذلك، شاهدنا هذه الأمور عيانًا بعد وفاة المرحوم العلاّمة، حيث شاهدنا كيف أنّ ما كنّا نحدسه في ذلك الزمان، قد ظهر عينيًّا وخارجيًّا بواسطة تهيئة الأرضيّة والمناخ المناسب. هل تلتفتون؟! بم ترتبط هذه الأمور؟ حسنًا، هذه وقائع! كلّ هؤلاء العظماء يقولون: «المراقبة!»، «المراقبة!»، «كن حذرًا!»؛ حسنًا، هم لا يقولون ذلك هراءً! لم يختلقوا هذه الأمور من أنفسهم! كلّ هذه المسائل متطابقة مع الأحاديث والروايات ومسائل العظماء وتجاربهم؛ أشياء جرّبوها بأنفسهم عمليًّا؛ والآن، يضعونها في متناول الإنسان.
التناقض العجيب بين الانهماك في الكثرات والوصول إلى الكليّة
لا يُمكنكم أن تدخلوا في أجواء الأخبار والأحداث السياسيّة وما شابه، ثمّ تنهضوا لتصلّوا صلاة المغرب والعشاء بحضور قلب. اذهبوا وجرّبوا! انهضوا واذهبوا وجرّبوا! مستحيل! هذه هي الساحة، فتفضّلوا! مستحيل! حتّى لو أردتم أن...
لماذا؟ لأنّ الجوّ هو جوّ الجزئيّات! في حين أنّ حركتنا في الصلاة هي نحو الكليّة؛ حركتنا في الصلاة نحو التجرّد؛ حركتنا في الصلاة نحو رفع القيود ورفع الحدود؛ نريد أن نزيح الحدّ؛ نريد أن نزيل القيد؛ نريد أن نصل من مرتبة الماهويّة لوجودنا إلى مرتبة الهوهويّة الإطلاقيّة له. هذه الماهويّة قيد؛ هذه الماهويّة حدّ. كيف يُمكننا في مثل هذه الظروف أن ننشغل بمسائل تجعلنا أكثر ثباتًا ورسوخًا واستقامةً في ضمن هذه الماهويّة والحدود والقيود. كيف يُعقل هذا؟! هذا لا ينسجم بتاتًا!
ولهذا، قالوا إنّه يجب أن ننتبه في المراقبة، وألاّ نتابع هذه المسائل كثيرًا، وألاّ نلتفت إلى هذه الأمور كثيرًا. حسنًا، الالتفات إلى هذه الأمور هو هذا عينه. هل يُمكنكم أن تشاهدوا خبرًا قبل أن تُصلّوا، ولا تخطر ببالكم ذكرى ذلك الخبر [عندما] تقولون: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؟!۱ هل تستطيعون؟! إن كنتم تستطيعون، فافعلوا، بسم الله! افعلوا!
إنّ قول العظماء: «يجب على الإنسان قبل أن يصل إلى الكليّة [أن يتجاوز الكثرات]»،٢ هي عبارة رصينة ودقيقة وعميقة جدًّا. الوصول إلى الكليّة يعني الخروج من الحدّ الماهويّ، والخروج من الجزئيّة، والخروج من التوهمات والتخيّلات. وبعد أن يصل إلى تلك الكليّة... ويجب ألاّ يكون ذلك الوصول وصولاً علميًّا ووصول فحصٍ ودرسٍ وتعلّمٍ، بل يجب أن يصل قلبُه، ويجب أن يصل ضميرُه، وينبغي أن تتّحد نفسه، وأن يتذوّق تلك الكليّة، وأن يلمسها ويمسّها!
- سورة الفاتحة، الآية ٥.
- راجع: ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، ج ٢، ص ۱٣٣؛ نور ملكوت القرآن، ج ٢، ص ٢۷۱.
