
المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق
حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق
كيف يورث التسليمُ التامّ لله تعالى بصيرةً وفطنةً تفوق التفكير الفلسفيّ المجرّد؟ وهل يُمكن للإنسان أن يجمع بين الانهماك في الكثرات الدنيويّة وبين الوصول إلى الكليّة والتجرّد في العبادات كالصلاة؟ وما هو المعنى الحقيقي والدقيق لمقولة: الحقّ مع عليّ وعليّ مع الحقّ في كافّة المواقف مهما كانت؟ ولماذا يرفض أولياء الله اللجوء إلى الكذب تحت مسمّى المصلحة؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة العميقة، موضّحةً دور المراقبة في حياة السالك، مع ذكر شواهد تاريخيّة وواقعيّة، ومواقف دقيقة من حياة العظماء.
المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الاهتمام بالجزئيّات يمنع من الالتحاق بعالم الكلّية
بيّنت سابقًا للرفقاء في الدروس الماضية بعض المسائل في توضيح وبيان كلام المرحوم السيّد [الميرداماد]، وتطبيق هذه المسألة مع المُثُل الأفلاطونيّة. وأشرتُ سابقًا إلى أنّ أبحاث السيّد هي أبحاث عالية وراقية جدًّا، وتحكي عن نوع من انكشاف حقيقة الأمر والواقع لهذه المسألة. ويبدو أنّ هذه المسائل لم تحصل له بمجرّد التفكير والتعمّق الفلسفيّ. على أيّ حال، هؤلاء كانوا من عظماء أهل المراقبة؛ كانوا أهل ذكر؛ كانوا أهل وِرد، ولم يكتفوا بمجرّد المطالعات والانهماك في الكتب. [المراقبة] مسألة حقيقيّة؛ قضيّة حقيقيّة؛ لا اعتباريّة وتوهميّة وتخيليّة. وحسنًا، بطبيعة الحال، كلّما كانت مراقبة الإنسان في هذا المجال أكثر، وسلّم زمام أموره بيد العقل والفطرة والارتباط بالمبدأ، يُصبح هذا الارتباط أوثق؛ وعندما يصبح أوثق، تقوى النفحات الواصلة للإنسان من ذلك الجانب بطبيعة الحال، فتوجِبُ تحوّلَ النفس وتبدّلها؛ وبالتالي، تحوّل الفكر والقوّة العاقلة وتبدّلهما؛ أي إنّ حركة العقل من الجانب الاستعداديّ إلى الجانب الفعليّ، تكون أقوى وأشدّ. فكلّما قلّ توجّهُ الإنسان للمسائل التي طرحها العظماء، ووجّه ذهنه وفكره نحو التعلّقات والكثرات [تُسلب منه تلك الحالة الخاصّة]؛ خصوصًا [إذا قلّ توجّهه] بسبب المسائل الدنيويّة والكثرات والمسائل التي تتطلّب الانهماك في الجزئيّات أكثر من الارتباط بالكليّات في المجالات المختلفة. فكيف إذا أراد، لا سمح الله! لا سمح الله! لا سمح الله! أن يدخل في المسائل المُحرّمة، ويتحرّك في وادي المخالفات الشرعيّة وخلاف رضا الله؛ فهنا، يُغلق الباب بالكامل تمامًا، وتُسلب من الإنسان تلك الحالة الخاصّة لتهيئة الأرضيّة للعقل.۱
قصّة العاميّ الذي اكتسب الفطنة بواسطة تسليم النفس
في السابق، كنت ذات مرّة في محضر المرحوم العلاّمة [الطهرانيّ]، فجرى الحديث عن رجل، وأراد مدحه، فقال: «لقد أعطاه الله تعالى فطنةً يُدرك بها المسائل!». إنّه ما يزال على قيد الحياة، وهو من تلامذة المرحوم العلاّمة. [هو] فرد عاديّ؛ فرد عاديّ كان انشغاله بهذه الأمور العاديّة؛ ولكن، عندما كنّا نتحدّث معًا، وأتطّلع في كلامه إلى رؤيته وفكره، كنت أشعر أنّ أحاديثه يُمكن أن تخرج قليلاً عن المعايير المتعارفة. ففي الأحاديث التي كنّا نتبادلها ـ وكانت أحاديث تخصصيّة أحيانًا، ومسائل تخصصيّة ـ كان يُثير تعجّبي كيف وصل هذا [الفرد] إلى النتيجة نفسها التي وصلتُ إليها من خلال المسائل والمطالعات والفحص والارتباط وباختصار: التجارب التي يُمكن للإنسان اكتسابها! كان مثيرًا للاهتمام حقًّا بالنسبة لي كيف أنّ فردًا عاديًّا عاميًّا ـ أي عاميًّا جدًّا ـ يطرح رأيه قبل أن نبدأ الحديث في [هذه] المسألة، وكان يتحدّث باطمئنان كبير. باطمئنان كبير، ولكنّه كان مصيبًا في الوقت نفسه. إلى أن جرى الحديث يومًا، فقال المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه:
- راجع كتاب: سبيل الفلاح، الجلسة ٥ والجلسة ٦؛ لبّ اللباب، ص ٣٤.
