
المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق
حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق
كيف يورث التسليمُ التامّ لله تعالى بصيرةً وفطنةً تفوق التفكير الفلسفيّ المجرّد؟ وهل يُمكن للإنسان أن يجمع بين الانهماك في الكثرات الدنيويّة وبين الوصول إلى الكليّة والتجرّد في العبادات كالصلاة؟ وما هو المعنى الحقيقي والدقيق لمقولة: الحقّ مع عليّ وعليّ مع الحقّ في كافّة المواقف مهما كانت؟ ولماذا يرفض أولياء الله اللجوء إلى الكذب تحت مسمّى المصلحة؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة العميقة، موضّحةً دور المراقبة في حياة السالك، مع ذكر شواهد تاريخيّة وواقعيّة، ومواقف دقيقة من حياة العظماء.
المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق
13التلميذ: لم يعُد جائزًا؟
ـ كلاّ! عندما أتوا به، لم يعُد فيه إشكال. إخراج الحصى نفسه من الحرم فيه إشكال، أمّا الآن وقد عاد ودخل الحرم، فلا. لقد ارتكب ذنبًا، ولكن...
التلميذ: من كان لأجل... عندما يكون هناك وقت، فماذا يفعل؟
ـ لا، حسنًا، يتغيّر الأمر. نعم إذا كان له آثاره، حسنًا، فهو استصحاب الموضوع نفسه.
التلميذ: أي في الوقت نفسه أيضًا؟
ـ نعم. إلاّ أن تختلف الخصوصيّات؛ وحينئذٍ، يترتّب عليه حكم الاستحاضة.
انظروا إلى هذه القضيّة نفسها الآن. حسنًا، ما لدينا في الشرع هو تهيئة الحصى من المشعر. في منى يوجد حصى أيضًا. لماذا يقول النبيّ صلّى الله عليه وآله: «يجب أن تأخذوا الحصى من المشعر»؟ نحن لا نلتفت إلى هذه المسائل بتاتًا. نريد فقط أن يكون لدينا هذا الحصى ونرمي به. الآن، كون أنّنا نُخرج هذا الحصى، ونأتي به إلى عرفات، فهذا حرام. أنتم [تُخرجون] الحصى؛ ورغم أنّ ذلك بنيّة الرمي؛ ولكن في النهاية، إخراج ما يتعلّق بالحرم (إخراج الحرميّات) حرام. ولا يُمكنكم إخراج حصى الحرم إلى خارج الحرم. فكلّ لحظة بقاء واستمرار وجود [لهذا الحصى] في خارج الحرم حرام. الآن، لا شأن لنا بهذا. عندما يكون لدينا في الشرع أن: «اجمعوا الحصى من المشعر»، فلماذا لا يجب علينا أن نلتزم بهذا الحكم؟! في النهاية، ما هذا المرض الذي أصابنا؟ أي: هل نحن نفهم أكثر من الشارع؟! فنجدهم يقولون: «خذوا الحصى، وكسّروه، واجعلوه قطعًا صغيرة.. خذوه من جبال مكّة وما شابه، وأحضروه معكم»! أي: هل نحن نفهم أكثر من الشارع؟! يقول: «يجب أن يُخرج من المشعر!». وانتهى الأمر. حسنًا، يُمكن للإنسان أن يأتي ويجمع [الحصى]؛ فالجميع يفعلون هذه الأمور. حسنًا، لا بدّ من وجود فائدة وخصوصيّة في هذا الأمر، ويترتّب عليه أثرٌ لا يترتّب على حصى الحرم في غير المشعر. لكنّهم [يقولون:] هو متعلّق بالحرم، فليكُن! فيأخذون ما يتعلّق بالحرم، ويتركون ما يتعلّق بالمشعر.
حسناً، نتيجة هذه الرؤية هي أنّك تستمرّ في الاقتطاع، وتقتطع، وتقتطع، تقتطع من الجذور والفروع! وذلك الحجّ الذي يكون من نصيب ذلك المسكين البائس يقتصر على مجرّد الذهاب والإياب فقط، ولا يعود هناك أيّ أثر أو شيء آخر يُذكر في هذه الحالة. ما قاله الشارع، يجب قبوله كما هو. انتهى الأمر ومضى! أحيانًا يقولون: «يا سيّدي، لا يُمكن بتاتًا جمع الحصى في المشعر بسبب الاضطرار وما شابه؟». يتغيّر حكم هذه المسألة، يتبدّل، وتتحوّل مسألتها إلى شيء آخر. اذهبوا، واجمعوه من منى، فالحصى متناثر بكثرة في منى، وهناك حصى ورمل وجبال وما شابه في كلّ مكان هنا وهناك. فلنذهب، ونجمع الحصى من الجمرات نفسها بجانبها. في هذه الحالة، لا إشكال في أخذ هذه الحصى.
