
تجليّات التوحيد القرآنيّ وسقوط المعايير المادّية في ميزان الحقّ
منهج الأئمّة في احتضان الشبهات، وقراءة عرفانيّة في المقامات المعنويّة للأنبياء عليهم السلام
أين تكمن الحقيقة حينما تتصادم المعايير البشريّة الظاهريّة مع الرؤية التوحيديّة الخالصة؟ وهل يُقاس مقام الإنسان وكماله المعنويّ بمقاييس الكمّ والمادّة، أم بمدى تجرّده وارتباطه بالمطلق؟ ولماذا لا يُحابي القرآن الكريم أحداً في بيانه للحقائق، بل يضع حتّى الأنبياء في ميزان المحاكمة الإلهيّة كما في قصّتي داوود ويونس عليهما السلام؟ وما هو السرّ الكامن وراء سعة صدر الأئمّة عليهم السلام في تلقّي الشبهات دون اللجوء إلى فرض العقائد أو الإقصاء؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى أجاب عنها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في هذه المحاضرة.
تجليّات التوحيد القرآنيّ وسقوط المعايير المادّية في ميزان الحقّ
9لو كان عمل الإمام الحسين كعملنا، وكان يقول مثلنا: «هنا، من المصلحة أن تكذب، وهنا، من المصلحة أن تفعل كذا»؛ حينها، لم نكن لنبكي عليه! أنا شخصيًّا لم أكن لأبكي عليه! أنا شخصيًّا لم أكن لأُقيم العزاء لأجله! أبدًا! أنا أقيم العزاء وأبكي على إمام حسين تتطابق كلّ أفعاله وأعماله مع هدفه.. ذلك الإمام الحسين هو الإمام الحسين الحقيقيّ، حيث نجده يحتفظ بتلك الحرّية والصدق والنفس الأبيّة حتّى لحظة الموت، ويحتفظ بها حتّى ليلة عاشوراء؛ فيقول: «من أراد أن يذهب فليذهب، ولا يَبقَ هنا؛ فأنا أرفع بيعتي عنه!». هذا، مع أنّني قلت في المحاضرة السابقة من شرح حديث عنوان البصريّ: «الذين تركوا الإمام الحسين ليلة عاشوراء ارتكبوا فعلاً حرامًا وهم مُستحقّون للخلود في جهنّم؛ لأنّ الدفاع عن الإمام الحيّ واجب شرعًا». حسنًا، لقد تركوه؛ ولكن في رأيي، بناءً على ما نعرفه عن الإمام الحسين، أظنّ أنّه عليه السلام سيُسامحهم أيضًا! سيقول: «بمجرّد أنّكم لم تقتلونا نسامحكم». أمّا بالنسبة لأولئك الذين اقترفوا جريمة القتل، فهو أعلم كيف يحكم فيهم؛ نحن لا نعلم. ولكن ما نعرفه عن فتوّة الإمام الحسين ورجولته ليس أن يقول لأحدهم: «اذهب»، ثم يُعذّبه! أنا ليس لديّ مثل هذا التصوّر. لا أعلم إن كان هذا صحيحًا أم لا. هذا الإمام الحسين هو الإمام الحسين الذي يُمثّل قدوة لنا في جميع الموارد والأماكن، وفي كلّ المواقف التي تزلّ فيها الأقدام، ونقول: «ها! إذا تجاهلنا هذه المسألة فلا بأس! لندع هذه الآن! حسنًا، سنفعل كذا لتلك».
في ذلك الوقت السابق بعد الثورة، تمّ التشهير في إحدى الصحف بمؤمنٍ ينتمي لإحدى هذه المدن، واتُّهم ذلك المسكين، حيث كنت أنا مطّلعًا على الأمر. ذهب شخص إلى المسؤول [عن الجريدة]، وقال له: «لقد شهّرتم بهذا الرجل!».
ـ كلاّ، الأمر صحيح. نحن لا نخطئ!
القصّة طويلة؛ وقد ذكرتها لكم سابقًا. بعد ذلك، أرسلوا أفرادًا إلى هناك للتحقيق، فتبيّن أنّه كذب. فقالوا: «حسنًا، تراجعوا الآن عن هذا [الكلام] في الصحيفة!».
ـ ستسقط سمعة الصحيفة! لا ينبغي أن تسقط سمعة الصحيفة. سيُسيئ الناسُ الظنَّ بالصحيفة.
