
تجليّات التوحيد القرآنيّ وسقوط المعايير المادّية في ميزان الحقّ
منهج الأئمّة في احتضان الشبهات، وقراءة عرفانيّة في المقامات المعنويّة للأنبياء عليهم السلام
أين تكمن الحقيقة حينما تتصادم المعايير البشريّة الظاهريّة مع الرؤية التوحيديّة الخالصة؟ وهل يُقاس مقام الإنسان وكماله المعنويّ بمقاييس الكمّ والمادّة، أم بمدى تجرّده وارتباطه بالمطلق؟ ولماذا لا يُحابي القرآن الكريم أحداً في بيانه للحقائق، بل يضع حتّى الأنبياء في ميزان المحاكمة الإلهيّة كما في قصّتي داوود ويونس عليهما السلام؟ وما هو السرّ الكامن وراء سعة صدر الأئمّة عليهم السلام في تلقّي الشبهات دون اللجوء إلى فرض العقائد أو الإقصاء؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى أجاب عنها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في هذه المحاضرة.
تجليّات التوحيد القرآنيّ وسقوط المعايير المادّية في ميزان الحقّ
8القرآن الكريم كتاب توحيد منزّه عن المحاباة وتزوير الحقائق
القرآن كتاب توحيد، وليس كتاب محاباة، وليس كتابًا انتقائيًّا. نحن عندما نكتب التاريخ، ننتقي؛ فلا نكتب بعض الأمور، ونقول: «ليس ذلك من مصلحة النظام!»؛ مثل الذين كانوا يكتبون التاريخ للنظام السابق والحكومات السابقة، ويكتبون تاريخ السلطان الأعظم والسلطان بن السلطان بن السلاطين! هل تتذكّرون أنّنا كنّا في السابق نصعد المنبر، ونسخر من هذا الكلام؟! نفس عبارات «السلطان بن السلطان بن السلطان... الخاقان بن الخاقان بن الخاقان!». إذا نظرتم إلى هذه الكتب المطبوعة التي تعود لعهد الدولة القاجاريّة والزنديّة والصفويّة، تجدونها مليئة بـ «السلطان بن السلطان بن السلطان، الخاقان بن الخاقان بن الخاقان»، ومثل هذا الهراء.
في النهاية، هذه هي المسائل، وهم يأتون بهذه الطريقة، فيكتبون هذه المسألة ولا يكتبون تلك، ويُزيّنون هذا الأمر وذاك، ويحذفون أفعالهم الباطلة. ففي النهاية، يجب أن يحصل على المال؛ وحتّى إذا لم يُحبّ أن يتلقّى مالاً، فسيُهدّد. التواريخ التي تُكتب الآن كلّها انتقائيّة. قبل فترة، رأيت كتاب تاريخٍ من ثلاثة أجزاء حول أحداث هذه الثورة. لا يوجد أيّ ذكر لاسم المرحوم العلاّمة في ذلك الكتاب بتاتًا! في حين أنّ المؤلّف نفسه يعلم أكثر من غيره أنّه كان العضو الرئيسيّ في هذه الأحداث؛ لأنّه كان يعرف المرحوم الوالد، وكان يراه في المجالس، ويتحدّثان معًا. لماذا يجب أن يكون الأمر هكذا؟! لماذا لا نكون أمناء؟! لماذا يجب الأمر أن يكون انتقائيًّا؟!
مدرسة الإمام الحسين عليه السلام مدرسة الصدق المطلق ورفض المصالح الباطلة
ولكنّ القرآن ليس كذلك؛ القرآن ليس مبنيًّا على الحبّ والبغض. القرآن كتاب توحيد؛ وفي التوحيد، لا يُفرَّق بين النبيّ وأبي سفيان، بل يجب أن تتحدّد مكانة كلّ منهما. وفي التوحيد، يجب أن يكون كلّ شيء في مكانه. حتّى لو كان أبا سفيان، فلا ينبغي أن نكذب عليه؛ بل يجب أن نصدُقَه القولَ. هل هو أبو سفيان؟! ليكُن! إذا كان يزيد هو أسوأ إنسان في العالَم، فلا ينبغي أيضًا أن نكذب عليه. الأمانة التي أعطاها لك لا ينبغي أن تمنعها، بل يجب أن تردّها. إذا طُلب منك أداء الشهادة، فلا ينبغي أن تشهد بالزور. إذا قال: «هل قلت أنا هذا الكلام في المجلس الفلانيّ؟»، فقل له: «كلاّ، لم تقل!». لا يُمكنك أن تقول خلاف الواقع، وإلاّ فقد ارتكبت حرامًا! هل هو يزيد؟! ليكُن! قتلُه للإمام الحسين في محلّه، والله سيقصم ظهره، وهو الملعون الأوّل والآخر في محلّه أيضًا؛ لكن، بالنسبة للشهادة التي يطلبها، إذا أردت أن تشهد، فيجب أن تشهد بالصدق، ولا ينبغي أن تكذب. هذه المدرسة هي مدرسة الإمام الحسين.
