
تجليّات التوحيد القرآنيّ وسقوط المعايير المادّية في ميزان الحقّ
منهج الأئمّة في احتضان الشبهات، وقراءة عرفانيّة في المقامات المعنويّة للأنبياء عليهم السلام
أين تكمن الحقيقة حينما تتصادم المعايير البشريّة الظاهريّة مع الرؤية التوحيديّة الخالصة؟ وهل يُقاس مقام الإنسان وكماله المعنويّ بمقاييس الكمّ والمادّة، أم بمدى تجرّده وارتباطه بالمطلق؟ ولماذا لا يُحابي القرآن الكريم أحداً في بيانه للحقائق، بل يضع حتّى الأنبياء في ميزان المحاكمة الإلهيّة كما في قصّتي داوود ويونس عليهما السلام؟ وما هو السرّ الكامن وراء سعة صدر الأئمّة عليهم السلام في تلقّي الشبهات دون اللجوء إلى فرض العقائد أو الإقصاء؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى أجاب عنها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في هذه المحاضرة.
تجليّات التوحيد القرآنيّ وسقوط المعايير المادّية في ميزان الحقّ
7أنا هناك عندما أنكر ذلك الشخص مكانة السيّدة رقيّة، لم أقُل شيئًا، وعدتُ إلى المنزل. قال المرحوم العلاّمة: «ذهبتَ إلى هناك، ما الأخبار؟»، حيث كنت قد ذهبت إلى هناك لأجل مسألة ما. قلت له: «نعم؛ وفي غضون ذلك، جرى مثل هذا الحديث». فقال فجأة: «حسنًا، ما الإشكال في أن يمدّ الأنبياء يد التوسّل إلى ذيل السيّدة رقيّة؟! ما الإشكال في ذلك؟!». في ذلك الوقت، لم تكُن مكانة السيّدة رقيّة تُمثّل بالنسبة لي مسألة [غير طبيعيّة]؛ كنت قد سمعت هذه الأحاديث في ضمن الأجواء الثقافيّة التي كنت أعيشها إلى جانب العظماء. قال [المرحوم العلاّمة]: «هؤلاء ينظرون إلى طول قامة السيّدة رقيّة في يوم عاشوراء!»
يعني: هؤلاء ينظرون إلى ذلك الطول قبل ألف وأربعمائة سنة، وأعينهم لا ترى سوى الطول! فتاة في الرابعة أو الخامسة من عمرها تكون بهذا الحجم؛ وليست أكبر من ذلك! هؤلاء يحكمون على الناس بناءً على المقدار والكمّ والمتر، لا بناءً على الأمور المعنويّة! لا يعلمون أنّ هذه الفتاة التي استُشهدت، أيّ مسير طوته في ذلك العالَم وإلى أين وصلت الآن! لقد وصلت الآن إلى مكانة يجب على جميع الأنبياء أن يمدّوا أيديهم للاستشفاع بها. لكنّ هؤلاء ينظرون إلى ذلك المتر الواحد الذي كانت عليه! يقولون فقط: «نعم، هي ابنة الإمام! محترمة!». شكرًا جزيلاً لك على احترامك للإمام الحسين بهذا المقدار، وعدم قولك إنّ ابنته غير محترمة!
أنا أسألكم: في أيّ مستوى ترون عليًّا الأصغر؟ لقد كان أصغر! في أيّ مستوى ترون عبد الله الرضيع؟ ترونه طفلاً في شهره السادس.. كان في شهره السادس! هل هو الآن أيضًا نفس ذلك الطفل الرضيع بهذا الحجم، أم أنّه الآن في مقام يجب على الأنبياء أولي العزم أن يتوسّلوا به؟ الأنبياء أولو العزم! هذا، ناهيك عن عليّ الأكبر! يجب على أنبياء أولي العزم أن يتوسّلوا بعليّ الأصغر لكي تُقضى حوائجهم!
وحينها، يقول ذلك الرجل: «إنّ مقام الوحي والأنبياء رفيع جدًّا!». لقد رفع مسألة الوحي والأنبياء عاليًا بحيث لا يصل إليها أحد! نعم، الأنبياء لهم مقام رفيع، وهم محترمون عندنا، ولكنّ القرآن نفسه يُبيّن اختلاف مقاماتهم.
