
تجليّات التوحيد القرآنيّ وسقوط المعايير المادّية في ميزان الحقّ
منهج الأئمّة في احتضان الشبهات، وقراءة عرفانيّة في المقامات المعنويّة للأنبياء عليهم السلام
أين تكمن الحقيقة حينما تتصادم المعايير البشريّة الظاهريّة مع الرؤية التوحيديّة الخالصة؟ وهل يُقاس مقام الإنسان وكماله المعنويّ بمقاييس الكمّ والمادّة، أم بمدى تجرّده وارتباطه بالمطلق؟ ولماذا لا يُحابي القرآن الكريم أحداً في بيانه للحقائق، بل يضع حتّى الأنبياء في ميزان المحاكمة الإلهيّة كما في قصّتي داوود ويونس عليهما السلام؟ وما هو السرّ الكامن وراء سعة صدر الأئمّة عليهم السلام في تلقّي الشبهات دون اللجوء إلى فرض العقائد أو الإقصاء؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى أجاب عنها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في هذه المحاضرة.
تجليّات التوحيد القرآنيّ وسقوط المعايير المادّية في ميزان الحقّ
5كنت مرّة في مناسبة بمنزل أحد المشايخ المعروفين في طهران وهو الآن في عداد المتوفّين. كان هناك مجلس حضره تقريبًا عشرة إلى خمسة عشر من أئمّة الجماعات في طهران. كان منزله في تلك الشوارع السفلى من مدينة طهران. الشخص الذي كان صاحب المنزل كان شخصًا معروفًا جدًّا ومشهورًا بالفضل، وكان متكلّمًا مُفوَّهًا. دار الحديث حول أنّ أحدهم ـ وهو أيضًا قد توفّي وكان من تلامذة المرحوم العلاّمة ـ قد قال: «السيّدة رقيّة لها مقام أعلى من الأنبياء»، أو مثلاً: «يجب على الأنبياء أن يمدّوا أيديهم من أجل الاستشفاع بالسيّدة رقيّة». أنا الآن أشكّ في العبارة هل كانت هذه أم تلك. إمّا أنّ مضمون كلامه كان أنّها أعلى من الأنبياء، أو أنّ الأنبياء يجب أن يتوسّلوا بها.
كان هو وحتّى من حوله مستائين جدًّا من هذه القضيّة قائلين: «كيف يُمكن ذلك؟!». كان يقول باستبعاد شديد: «أين هؤلاء الأنبياء (وكان يمدّ كلمة الأنبياء كثيرًا) مع مقام الوحي الذي لديهم، وأين السيّدة رقيّة؟!». بالطبع، [والكلام هنا لذلك الشيخ] السيّدة رقيّة مُحترمة، ونحن أيضًا نزورها، وهي ابنة الإمام.
في حرم السيّدة رقيّة يوجد سجّاد، رأيته عدّة مرّات عندما ذهبت؛ وهو سجّاد نُسج في أصفهان، ويبدو أنّه هديّة من فتاة كانت مريضة وشفتها السيّدة رقيّة؛ وقد كُتب عليه من قِبل هذه الفتاة ذات الأربع أو الخمس سنوات: «إهداء إلى رفيقة لعبي السيّدة رقيّة!». هل رأيتم ذلك؟! إذا ذهب أحدٌ، سيرى في البقعة الواقعة عند الرأس، في ذلك الجانب، سجّادة زرقاء صغيرة مكتوب تحتها: «هديّة من فلانة، إهداء إلى رفيقة لعبي، فلانة من أصفهان!».
انظروا، ذلك الرجل يقول نفس الشيء.. ذلك الرجل الذي ـ ما شاء الله ـ عمامتُه بهذا الحجم ولحيته واصلةٌ إلى حدّ بعيد! فمستوى معرفته بالسيّدة رقيّة هو بمقدار أنّها كانت رفيقة لعب في سنّ الرابعة أو الخامسة، وكان الأمر في هذا الحدّ؛ وفي هذا الحدّ أيضًا، يقول: «احترام الإمام واجب، واحترام أبناء الإمام لازم، ونحن نحترمهم بهذا الحدّ ونذهب ونزورهم». وهذا الرجل نفسه عندما يتحدّث مع جمع، نراه يُعطي ظهره للضريح، ويجلس، ويتحدّث! مَن يحمل هذا الفكر والعقيدة يكون هكذا أيضًا!
