
تجليّات التوحيد القرآنيّ وسقوط المعايير المادّية في ميزان الحقّ
منهج الأئمّة في احتضان الشبهات، وقراءة عرفانيّة في المقامات المعنويّة للأنبياء عليهم السلام
أين تكمن الحقيقة حينما تتصادم المعايير البشريّة الظاهريّة مع الرؤية التوحيديّة الخالصة؟ وهل يُقاس مقام الإنسان وكماله المعنويّ بمقاييس الكمّ والمادّة، أم بمدى تجرّده وارتباطه بالمطلق؟ ولماذا لا يُحابي القرآن الكريم أحداً في بيانه للحقائق، بل يضع حتّى الأنبياء في ميزان المحاكمة الإلهيّة كما في قصّتي داوود ويونس عليهما السلام؟ وما هو السرّ الكامن وراء سعة صدر الأئمّة عليهم السلام في تلقّي الشبهات دون اللجوء إلى فرض العقائد أو الإقصاء؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى أجاب عنها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في هذه المحاضرة.
تجليّات التوحيد القرآنيّ وسقوط المعايير المادّية في ميزان الحقّ
3الدفاع عن مدرسة العرفان والحكمة قبال التجاوزات وازدواجيّة المعايير
ونحن من جهة أخرى نشعر أنّ هذه المدرسة هي شرفنا، ويجب على الإنسان أن يدافع عن شرفه. يقولون: «فلان يتحدّث بحدّة!». هل تحدّثتم أنتم بهدوء لكيلا أتحدّث أنا بحدّة؟! هل تحدّثتم حتّى بهدوء؟! هؤلاء السادة يشتمون، ويسبّون العظماء في كُتبهم صراحةً، ولم ينبس أحد ببنت شفة! يقولون: «المراعاة! المراعاة!». كيف صار أنّه إذا قلت مرّةً واحدة: «فوق عينك حاجب»، تُقام الدنيا ولا تقعد؟! كيف لا توجد مراعاة هناك؟! تحدّث أنت بهدوء، وأنا لن أتحدّث بحدّة! أو عندما يمشي ذلك الرجل حافي القدمين، وينخرط في مواكب اللطم، ويصرخ على المنبر بتلك الطريقة، ويستخدم أوقح الألفاظ تجاه الحكماء والعرفاء، هل يجب على الجميع الجلوس والنظر ببلادة ولا مبالاة؟! هل هم جُدران؟! أو عندما يستخدم ذلك الرجل في كتابه أوقح العبارات وأقذعها تجاه العظماء، ماذا يجب أن نفعل في النهاية؟! حسنًا، للأسف، الجميع قد سكتوا الآن!
هذه مسألة كانت موجودة منذ القدم، وأنا أتذكّر حتّى في ذلك الوقت السابق، فإنّ التوجّهات التي كنّا نراها في أحاديث المرحوم العلاّمة، كنّا نشعر أنّها مبنيّة على أمور تصل إلى مسامعه، حيث كان يُريد تنوير الأفهام وتوضيح المسائل.
الآن، ألّفوا كتبًا، ويسخرون منه! يعني: حقًّا من المؤسف جدًّا لنا أن تتصرّف بهذا الشكل حوزةٌ تدّعي الدعوة للحرّية والعلم وتبليغ ﴿فَبَشِّر عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَستَمِعُونَ ٱلقَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحسَنَهُۥ﴾،۱ و ﴿قُل يَـٰٓأَهلَ ٱلكِتَٰبِ تَعَالَواْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَينَنَا وَبَينَكُم أَلاّ نَعبُدَ إِلاّ ٱللَهَ﴾.٢
سعة صدر الأئمّة عليهم السلام هو المنهج الحقّ في معالجة الشبهات العلميّة
هذه هي مدرستنا. منهج وسيرة الأئمّة عليهم السلام كان أيضًا شَرحُ الصدر، وسعة الصدر، واستقبال المسائل والمواضيع بهذه الكيفيّة؛ وحينها، نرى أنّه يتمّ التعامل مع المسائل بمناهج أخرى. في القضيّة التي حدثت قبل سنتين أو ثلاث، حيث أثار أناسٌ شبهات إلحاديّة، طالما كان للمسألة جانب علميّ، لم يكن باستطاعة الناس التحدّث؛ رغم أنّ بُعدها العلميّ كان ضعيفًا، أو كان محلّ إشكال. ولكن، بمجرّد أن خرجت المسألة من الجانب العلميّ، ووصلت إلى الجوانب العاطفيّة والاجتماعيّة والسياسيّة، تغيّرت المسألة بتاتًا فجأة!
- سورة الزمر، الآيتان ۱۷ و۱۸.
- سورة آل عمران، الآية ٦٤.
