
تجليّات التوحيد القرآنيّ وسقوط المعايير المادّية في ميزان الحقّ
منهج الأئمّة في احتضان الشبهات، وقراءة عرفانيّة في المقامات المعنويّة للأنبياء عليهم السلام
أين تكمن الحقيقة حينما تتصادم المعايير البشريّة الظاهريّة مع الرؤية التوحيديّة الخالصة؟ وهل يُقاس مقام الإنسان وكماله المعنويّ بمقاييس الكمّ والمادّة، أم بمدى تجرّده وارتباطه بالمطلق؟ ولماذا لا يُحابي القرآن الكريم أحداً في بيانه للحقائق، بل يضع حتّى الأنبياء في ميزان المحاكمة الإلهيّة كما في قصّتي داوود ويونس عليهما السلام؟ وما هو السرّ الكامن وراء سعة صدر الأئمّة عليهم السلام في تلقّي الشبهات دون اللجوء إلى فرض العقائد أو الإقصاء؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى أجاب عنها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في هذه المحاضرة.
تجليّات التوحيد القرآنيّ وسقوط المعايير المادّية في ميزان الحقّ
15[يقول: الرجل هو الذي يُصغي للنصيحة، وإن كانت مكتوبة على جدار]
هذا هو المعيار: «انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال»، أو «الحكمة ضالّة المؤمن».
نفس هذه القضيّة هي درسٌ لنا بألاّ ننظر إلى الناس باحتقار. ربّما يذكر هذا الشخص ملاحظة لم تصل إليها أنت بعلمك وفضلك خلال خمسين عامًا! هذه هي الرؤية التوحيديّة.
التفاعل الروحيّ مع القرآن الكريم ورفض الممارسات المشوّشة لروحانيّته
القرآن عجيب حقًّا! في كلّ آية منه، هناك تنبيه وتذكير! إنّه لأمر عجيب جدًّا بالنسبة لي أن يقرأ رسول الله صلّى الله عليه وآله أو الإمام الصادق عليه السلام القرآن، فيغيب عن الوعي. لماذا الإمام الصادق؟! ولماذا النبيّ الذي أُنزل عليه القرآن؟! كان ابن مسعود يقرأ القرآن، والنبيّ يبكي! (كان صوت ابن مسعود حزينًا، حيث قيل: «اقرؤوا القرآن بصوت حزين») من أين كان بكاء النبيّ هذا؟! حسنًا، لماذا لا نبكي نحن؟! نحن أيضًا نقرأ هذا القرآن نفسه! أقصى ما يحدث لنا ـ مثلاً ـ عندما نسمع: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾،۱ أن نتأثّر قليلاً؛ أمّا النبيّ، فكان يذرف الدموع هكذا! في أيّ عوالِم كان النبيّ يسير، ولا نستطيع نحن أن نسير فيها؟ ماذا كان يفهم من هذه الآية ليحدث له هذا الانقلاب، وتذرف عيناه الدموع؟ ما هي القضيّة؟!
وحينها، نجد أحدهم يقول: «القرآن كلّه "ظنّيّ الدلالة" ومختصّ بـ "من خوطب به"؛ وشبهة "حجّية [الخطاب القرآنيّ] في حقّ مَن تأخّر عمّن خوطب به" موجودة. لهذا، بناءً على مسألة "أصالة عدم الحجّية إلاّ ما ثبت بالدليل"، لنقرأ هذا القرآن للتبرّك فقط». شكرًا جزيلاً على هذا الاستدلال! يعني أنّ القرآن صار مقتصرًا على مجالس العزاء فقط! ليأتِ عبد الباسط، ويقرأ لنا، والجميع يقول: «الله! الله! الله! الله! الله!».
كم أمقتُ قول «الله! الله!» هذه في وسط التلاوة، كم أكره ذلك...! يقرأ الآية في وسط المجلس؛ وفجأة، يصرخ الجمع: «الله!». الويل لكم! ما هذه «الله»؟! دعوه يتلو قرآنه! واحد من هذه الجهة، وآخر من الجهة الأخرى يقول: «الله أكبر!»، فيُفسدون الأجواء ويُعكّرونها، وتضيع روحانيّة الكلام ومعنويّته. لا أدري متى ظهرت هذه الألاعيب، ونحن مستمرّون فيها؟! دعوه يقرأ القرآن بجمالٍ لعشر دقائق، لكي يعمّ المجلس جوّ روحانيّ. ما هذه «الله، الله» و«الله، الله أكبر»؟! اصمتوا! إنّ كسر الأجواء بهذا الشكل وضياع ذلك التأثير والمعنويّة فجأة بأصوات الآخرين هو إهانة للقرآن. ألا نشعر نحن بذلك؟! إذا تكلّم شخص وقاطعه آخر، ألا يقول له: «يا سيّدي، اصمت لكيلا يتشتّت انتباهي»؟! يجب التخلّي عن هذه الأمور وإصلاحها. ثم إنّ النبيّ كان يقرأ هكذا، وتذرف دموعه؛ وكذلك الإمام الصادق. لماذا لم يذكر الإمام الصادق استدلالات هؤلاء السادة؟ لماذا كان الإمام الرضا يقول: «يجب أن تقرؤوا القرآن، لئلاّ يُصبح كتاب الله مهجورًا»؟! لماذا كان الإمام الرضا يدعونا لقراءة القرآن في الصلاة وفي غير الصلاة؟! تقولون: «القرآن لا حجّيّة له!». لا يُعلم إلى أين نحن ذاهبون!
- سورة الحديد، الآية ۱٦.
