
تجليّات التوحيد القرآنيّ وسقوط المعايير المادّية في ميزان الحقّ
منهج الأئمّة في احتضان الشبهات، وقراءة عرفانيّة في المقامات المعنويّة للأنبياء عليهم السلام
أين تكمن الحقيقة حينما تتصادم المعايير البشريّة الظاهريّة مع الرؤية التوحيديّة الخالصة؟ وهل يُقاس مقام الإنسان وكماله المعنويّ بمقاييس الكمّ والمادّة، أم بمدى تجرّده وارتباطه بالمطلق؟ ولماذا لا يُحابي القرآن الكريم أحداً في بيانه للحقائق، بل يضع حتّى الأنبياء في ميزان المحاكمة الإلهيّة كما في قصّتي داوود ويونس عليهما السلام؟ وما هو السرّ الكامن وراء سعة صدر الأئمّة عليهم السلام في تلقّي الشبهات دون اللجوء إلى فرض العقائد أو الإقصاء؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى أجاب عنها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في هذه المحاضرة.
تجليّات التوحيد القرآنيّ وسقوط المعايير المادّية في ميزان الحقّ
13رؤية الأولياء للحقائق تتجاوز مظاهر التواضع الشكليّ
كنّا في الزمن السابق نتعجّب عندما نُلاحظ بعض تصرّفات المرحوم العلاّمة، وأنّه لماذا مثلاً يهتمّ كثيرًا بأمر الطفل الفلاني؟ أ فهل تحظى تلبية طلبه بأهمّية كبيرة؟! لو كان الأمر من باب إسكات هذا الطفل، لأمكنه القول: «اذهب يا عزيزي، سأشتري لك لاحقًا. إذا كنت تريد المثلّجات سأشتريها لك لاحقًا؛ وإذا كنت تريد كرة سأشتريها لك لاحقًا. اذهب الآن!» أو يقول للآخرين: «خذوا هذا الطفل، وأسكتوه!». فنحن لا نهتمّ بالطفل؛ لكنّنا كنّا نراه يترك عمله وكتابته، ويُمسك بيد الطفل ـ وليس ذلك لقرابته منه ـ، ويأتي به إلى أحد الكبار، ويطلب منه تلبية طلبه، أو إسكاته مثلاً.
كنّا نحمل هذا على التواضع، ونقول في أنفسنا: «هذا تواضع؛ فالعظماء يتّصفون بالتواضع». لكنّني أرى الآن أنّه لم يكن تواضعًا، بل كان يرى أمرًا واقعيًّا، وكان لديه شعور خاصّ.. نفس الشعور الذي عبّر عنه أمير المؤمنين في مقامات أعلى بكثير عندما قال: إنّه لن يسلب نملة جلب شعيرة. أو في تلك الليلة عندما ذهب إلى منزل أولئك الأيتام والأطفال، وكيف كان يلهو معهم. لم يكن أمير المؤمنين يريد استمالة قلوبهم، أو لكي يقول الناس: «لقد زار أمير المؤمنين حيّ كذا فجأة البارحة!»، ثم يُنشر في الصحف أنّه زار طفلاً يتيمًا! كلاّ! كان الإمام يرى في نفسه وجوب القيام بهذا العمل. إمارته وحربه وخلافته وكونه أمير المؤمنين محفوظة في مكانها، ولكنّه يرى وجوب القيام بهذا العمل في مكانه. هذه هي المسألة.
التدبّر في القرآن الكريم ككتاب توحيد بعيد عن القراءة السطحيّة
ولهذا، فإنّ كون القرآن كتابًا توحيديًّا عجيبًا هو أمر مثير جدًّا للاهتمام. للأسف، نحن لا ننتبه لذلك بتاتًا. رأيت مرّة أحد الأشخاص ـ جزاه الله خيرًا، وهو رجل بسيط جدًّا ـ يقول على المنبر: «اقرؤوا القرآن بسرعة! حتّى لو أخطأتم فإنّ الملائكة تُصحّحه. اقرؤوا بسرعة! اقرؤوا بسرعة!». كان يُكرّر: «اقرؤوا بسرعة!». يا سيّدي، القرآن ليس للقراءة السريعة! يجب قراءة القرآن بتأنٍّ وتدبّرٍ في معانيه؛ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾؛۱ ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.٢
- سورة محمّد، الآية ٢٤.
- سورة الحشر، الآية ٢۱.
