
تجليّات التوحيد القرآنيّ وسقوط المعايير المادّية في ميزان الحقّ
منهج الأئمّة في احتضان الشبهات، وقراءة عرفانيّة في المقامات المعنويّة للأنبياء عليهم السلام
أين تكمن الحقيقة حينما تتصادم المعايير البشريّة الظاهريّة مع الرؤية التوحيديّة الخالصة؟ وهل يُقاس مقام الإنسان وكماله المعنويّ بمقاييس الكمّ والمادّة، أم بمدى تجرّده وارتباطه بالمطلق؟ ولماذا لا يُحابي القرآن الكريم أحداً في بيانه للحقائق، بل يضع حتّى الأنبياء في ميزان المحاكمة الإلهيّة كما في قصّتي داوود ويونس عليهما السلام؟ وما هو السرّ الكامن وراء سعة صدر الأئمّة عليهم السلام في تلقّي الشبهات دون اللجوء إلى فرض العقائد أو الإقصاء؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى أجاب عنها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في هذه المحاضرة.
تجليّات التوحيد القرآنيّ وسقوط المعايير المادّية في ميزان الحقّ
10عجبًا! لا بأس بذهاب سُمعة المؤمن، ولكنّ ذهاب سمعة الصحيفة فيه إشكال؟! بالمناسبة، هذا التصحيح أفضل! عندما يرى الناس أنّ الصحيفة قد قالت كلامًا باطلاً بصدق، ثمّ تراجعت عنه بصدق، فهذا أفضل، ويزيد من سُمعتها! أنا أتعجّب كيف لا يُميّز الناس هذه المعايير! إذا كان عدم التراجع من أجل السمعة، وكان من أجل أمورك النفسانيّة، فحسنًا! من يكون كذلك، ستمرّ الأيّام، حتّى يقع هو بعينه في نفس الموقف، فيُقال له أيضًا نفسُ الكلام الذي قاله في ذلك الوقت: «يجب أن يكون الأمر هكذا وإلاّ ذهبت السمعة!». فذُق الآن! ذُق! لقد فهم هو أيضًا! من يتبنّى ذلك المنطق، سيُبتلى بنفس هذا المنطق في هذه الدنيا يومًا ما، وسيُحاسب! هذه مسألة دقيقة ومهمّة جدًّا حول كيفيّة عدم تخطّي الموازين.
المحاكمة القرآنيّة للأنبياء درس عمليّ في تجنّب التسرّع وإحقاق الحقّ
حقًّا، إنّ هذا القرآن كتابُ توحيدٍ عجيب جدًّا. إنّه لا يُقدّس الأنبياءَ بشكل زائد ومبالغ فيه عمّا هم عليه في مقامهم؛ بل يُبيّن مكانة النبيّ إبراهيم، والنبيّ داوود، والنبيّ سليمان، والنبيّ نوح، والنبيّ يونس، وحضرة الخضر، والنبيّ موسى. لقد أوصل اللهُ موسى عليه السلام إلى مقام النبوّة، وجعله رسوله، ولكنّه يقول له: «سأرسلك إلى شخص يقول لك: "ذلك العلم الذي لديّ ليس لديك!"»، ولا يرى تعالى غضاضة في ذلك لكي يُراعي مصلحته، ويأخذ بعين الاعتبار شأن الرسالة، بحيث إذا قال هذا الكلام، فإنّ النبيّ موسى سيكون محلّ تساؤل! لِيَكُن محلّ تساؤل! هل اتّفقنا على أن نُقدّم للناس كتابَ شعرٍ وشعاراتٍ؟! نحن نريد أن نُقدّم للناس كتاب فهم. القرآن ليس كتاب شعر؛ بل كتاب فهم.
القرآن يُحاكم النبيّ داوود، في حين أنّه عليه السلام نبيّ! يُحاكمه ثم يُدينه في هذه المحاكمة قائلاً: «بأيّ دليل حكمت بالحقّانية بناءً على الأكثريّة؟! بأيّ دليل وحساب؟!»؛ ومن خلال هذه المحاكمة، يُريد أن يُبيّن أنّه من الممكن أن يكون الإنسان نبيًّا، ولكنّه لم يعبر بعدُ عالَمَ البرزخ والمثال، ولا تزال هناك إشكالات ونقائص يجب عليه رفعها، وأراد الله بواسطة هذا المشهد أن يُلفته إلى النقيصة الموجودة الآن التي جعلته يُخطئ في حكمه على ذينك المَلَكين.
