
حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ
مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.
هل المُثُل الأفلاطونيّة مجرّد استدلالات عقليّة جافّة، أم أنّها نتاج رؤيّة باطنيّة وشهوديّة؟ ما هو مصدر التصوّرات الذهنيّة لدى أهل العلم؟ وكيف يُمكن أن يتحوّل طالب العلم إلى مجرّد إنسان آليّ يخلو من الارتباط الحقيقيّ بالمبدأ؟ وما هي حقيقة الطرد عن رحمة الله تعالى؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آيّة الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، وتُسلّط الضّوء على مواقف واقعيّة للعظماء تُبيّن كيفيّة التعامل مع الابتلاءات والالتزام بالهويّة الدينيّة بعيدًا عن التبريرات الواهية.
حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ
8حسنًا، إذا جاء هذا الرجل اليهوديّ، وبيّن لنا المسائل، فمن أين لنا أن نعرف أنّه مجرّد شريط تسجيل؟ افرضوا أنّنا نسأله: ما هو حكمك في القضيّة الفلانيّة؟ فيقول: «الحكم هو كذا، ودليلُه ومصدره ومرجعه ومستنده هو هذا»؛ فيضع بين يدَي الإنسان فتوى جيّدة جدًّا، مُنقّحة، ونظيفة للغاية؛ فيعتبره هذا الإنسانُ الشخصَ الأعلمَ ويقلّده؛ في حين أنّه هو نفسه لا يُؤمن ولا يعتقد بكلمة واحدة من هذه المسائل التي يقولها، وقد قال كلّ هذه الأمور للخداع! من أين لنا أن نعرف أنّ ذلك الشخص الذي يُقابلنا ليس هكذا؟! من أين نعرف؟
هذه أشياء تحتاج إلى رؤًى وأنظار أُخرى! لا تُفهَم بهذه المسائل العاديّة، ولا تتّضح بهذه الأمور.
لقد كنت في أماكن لم يكونوا فيها على هذا الوضع وبهذه الكيفيّة، ولم يكن باطنُهم مطابقًا لظاهرهم. كنت في مجلس يتحدّث فيه شخص كان هو نفسه من أئمّة الجماعات في طهران، وكان فردًا معروفًا ومشهورًا جدًّا. (لقد توفّي الآن؛ وهذه القضيّة تعود إلى وقت بعيد جدًّا). كان يقول:
ذهبتُ مع أحد الأقارب في رحلة زيارة إلى العتبات المقدّسة. في تلك الرحلة، كان الازدحام شديدًا جدًّا. وعند اقتراب الصباح، قمنا، وصلّيْنا في الحَرَم بكربلاء، وأصابني ذعرٌ شديد: «ماذا سيحلّ بصلاة الوالدة الآن؟!» (وكانت والدته عجوزًا)؛ لأنّني أعلم أنّها في النهاية ستغفو، ولن تستطيع أداء صلاتها، ولا يُمكنني أنا أيضًا أن أذهب إلى قِسْم النساء لأناديها، وآخذها للوضوء، وآتي بها إلى الحَرَم. هكذا بقيتُ في قلق شديد، حتّى طلعت الشمس، وكنت قلقًا جدًّا بشكل عجيب هكذا!
ضَعوا هذه القضيّة في الحسبان. كنت مع هذا الشخص المعروف نفسه في مجلس عقد قِران. حان وقت صلاة المغرب والعشاء؛ فذهبنا نحن، وصلّيْنا صلاة المغرب والعشاء، وطال ذلك المجلس واستمرّ؛ لكنّه ـ هو والأفراد الذين جاؤوا من أئمّة الجماعات إلى هناك ـ لم يُصلّوا صلاة المغرب والعشاء! كانوا جالسين يتناولون العصير والحلويات، ويتحدّثون، وينهمكون في هذه الأمور! ذهب المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه، وصلّى.
هذه التي أقولها حقائق. هؤلاء الذين كانوا يجلسون من الأوّل إلى الآخِر، كان لكلّ واحد منهم مسجد! وكلّ مسجد ليس مليئًا بالهواء، بل هو ممتلئ بالمأمومين والأفراد الذين يُكنّون الولاء لهذا الشيخ، ويرجعون إليه، وهو محلّ تردّد! حسنًا، الكثير منها كانت مساجد مهمّة. لم يتحرّك أحدٌ من هؤلاء الأفراد ـ الذين كانوا يجلسون هكذا ـ من مكانه، وذهب المرحوم العلاّمة فقط وصلّى؛ وأنا ذهبت خلفه، حيث كان صاحب البيت قد جهّز غرفة في ذلك المنزل، فنقلوا الأواني يمينًا ويسارًا ليتهيّأ المكان لأداء الصلاة. وبعد ذلك، عاد المرحوم العلاّمة إلى المجلس، فظنّوا هم أنّه ربّما طرأ له عمل، أو أراد تجديد الوضوء؛ وبعضهم فَهِم أيضًا أنّ المسألة كانت أداء الصلاة.
