
حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ
مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.
هل المُثُل الأفلاطونيّة مجرّد استدلالات عقليّة جافّة، أم أنّها نتاج رؤيّة باطنيّة وشهوديّة؟ ما هو مصدر التصوّرات الذهنيّة لدى أهل العلم؟ وكيف يُمكن أن يتحوّل طالب العلم إلى مجرّد إنسان آليّ يخلو من الارتباط الحقيقيّ بالمبدأ؟ وما هي حقيقة الطرد عن رحمة الله تعالى؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آيّة الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، وتُسلّط الضّوء على مواقف واقعيّة للعظماء تُبيّن كيفيّة التعامل مع الابتلاءات والالتزام بالهويّة الدينيّة بعيدًا عن التبريرات الواهية.
حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ
6حسنًا جدًّا؛ الآن، سؤالي هو: يا عزيزي، إذا جاء يهوديّ، وطرح هذه المسائل نفسها، فما الفَرْق بينه وبينك أنت الشيعيّ؟! اليهوديّ الذي يقوم، ويأتي، ليدرس الصرف والنحو، ويأتي ليدرس اللغة، ويدرس «المطوّل»، ويدرس «الرسائل»، ويدرس هذه الدروس نفسها، وينمو ويرتقي في الأصول والتفسير والفقه ويصبح مجتهدًا، ولكنّه لا يقول لك: «يا سيّدي أنا يهوديّ!». تجده يُصلّي أفضل منك! يمدّ ﴿ولا الضالّين﴾۱ بشكل لا يستطيع حتّى إمام جماعة المسجد الحرام أن يُؤدّيه بتلك الطريقة! يقرأ التعقيبات بطريقة لم يذكرها حتّى الشيخ عباس القمّي في مفاتيح الجنان! حسنًا، ماذا تريد أكثر من هذا؟ يحفظ زاد المعاد وغيرها عن ظهر قلب! لقد كان هناك أمثال هؤلاء! كان هناك أمثالهم، وقد شوهدوا، وكانوا موجودين.
حكايتان عجيبتان عن التناقض بين المظهر الخارجيّ والباطن الحقيقيّ
تذكّرت الآن هذه القضيّة: في تلك السفرة التي تشرّفنا فيها بزيارة كربلاء بعد الحجّ، كان عمري حوالي سبعة عشر عامًا. في أحد الأيّام صباحًا، بدأ السيد الحدّاد رضوان الله عليه يتحدّث بكلام حول هذه القضيّة عينها، والتي أعرضها بين أيديكم؛ وهي وجوب أن تستقرّ هذه المسائل في وجود الإنسان، وإلاّ فلا فائدة منها سوى مراكمة المسائل وتخزينها. حسنًا، من الطبيعي أنّني كنت أنا المخاطَب؛ لأنّني في ذلك الوقت كنت قد بدأت دراسة الحوزة للتوّ، وكنت أدرس وقتها «المَعالِم» و «المُغني» وما شابه. لم يكن في المجلس سوى بضعة أشخاص؛ وكان المرحوم العلاّمة حاضرًا، وطبعًا، كنت أنا المعنيّ بالمسألة.
كان السيد الحدّاد يقول: كان هناك أحد عظماء النجف ومشهوريهم ذاهبًا مع قافلة نحو مكّة. وكان قائد تلك القافلة رجلاً غير مُلتَزِم أبدًا، وغير مبالٍ بالمسائل [الدينيّة] إلى حدّ كبير، بحيث إنّ أفراد القافلة كانوا يحرسون أنفسهم؛ سواء من ناحية السرقة أو الأشياء الأُخرى. خلاصة الأمر، وصلوا إلى مكان ما. في إحدى المنازل، جرى نقاش وحديث بين ذلك العالِم واثنين أو ثلاثة من زملائه حول إحدى هذه المسائل الحوزويّة. في هذا الوقت، رأى قائد القافلة أنّهم قد بدأوا بالحديث وإثارة الجلبة معًا، فأتى وجلس ونظر إليهم، وبدأ يضحك عليهم باستهزاء. وهم الذين رأوا أفعال هذا القائد ووضعه، انزعجوا أكثر، وقالوا: «انظروا إلى الأمور التي نتحدّث عنها نحن، وهذا يضحك علينا ويسخر منّا!». قالوا: «يا عزيزي، هذا ليس مكانك؛ قُمْ واذهب وافعل شيئًا». فقال: «بالمناسبة، مكاني هو هنا! أنا أضحك على تُرّهاتكم هذه!». فاعترضوا عليه، فبدأ هو بالحديث معهم، وأفحم الأربعة جميعًا في هذه المسألة، بحيث لم يستطيعوا الإجابة بتاتًا! وبقوا مبهوتين: «من أين يأتي هذا بهذه الكلمات؟!». إنّ مَظهَره وأفعاله لا تدلّ على هذه الأمور؛ فنحن نحرس أموالنا لئلاّ يسرقها! هذا الرجل غير مُلتَزِم لدرجة أنّه لا يتقيّد بأيّ شيء؛ ولكنّه سحق الجميع تمامًا في هذه المسألة الفقهيّة، ونحّاهم جانبًا!
- سورة الفاتحة، الآية ۷.
