
حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ
مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.
هل المُثُل الأفلاطونيّة مجرّد استدلالات عقليّة جافّة، أم أنّها نتاج رؤيّة باطنيّة وشهوديّة؟ ما هو مصدر التصوّرات الذهنيّة لدى أهل العلم؟ وكيف يُمكن أن يتحوّل طالب العلم إلى مجرّد إنسان آليّ يخلو من الارتباط الحقيقيّ بالمبدأ؟ وما هي حقيقة الطرد عن رحمة الله تعالى؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آيّة الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، وتُسلّط الضّوء على مواقف واقعيّة للعظماء تُبيّن كيفيّة التعامل مع الابتلاءات والالتزام بالهويّة الدينيّة بعيدًا عن التبريرات الواهية.
حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ
3ما هو مصدر التصوّرات الذهنيّة؟
في قبال هذه المسألة، يجب علينا أن نُدقّق في هذا الموضوع كثيرًا، خصوصًا أهل العلم الذين مسارهم ومدرستهم هي مدرسة علوم أهل البيت عليهم السلام في الأساس، حيث تكون الغاية من هذه العلوم في الدرجة الأولى هي استنارة القلب والضمير، وفي المرحلة الثانية إنارة الخَلق وهدايتهم. هذه المسألة لها مكانة مهمّة وحسّاسة جدًّا.
في اليوم الماضي، كان في ذهني بعض المسائل حول طريق مدرسة التشيّع ومنهجه، ورسالة أهل العلم، لكنّني لم أستطع ذكرها؛ لأنّ المجلس لم يكن مقتضيًا لذلك، وحالي لم يكن مساعدًا كثيرًا؛ ولكن حسنًا، يُحتمَل أن نطرح بعض المسائل لاحقًا في التتمّة.
يجب علينا أن ننتبه كثيرًا إلى هذه المسألة؛ وهي: ما هو المنشأ والجذر الذي قد تنبع منه هذه المسائل والصور الذهنيّة التي تتولّد فينا؟ وما هو مصدرها؟ ومن أين تأتي هذه الصور والأشكال إلى الذهن؟ وكيف تنطبع في أذهاننا؟ هل رأيتم أحيانًا أنّ البعض يقولون: «فلان يُعلّم الشيطان أيضًا»؟ يعني أنّه حقًّا يُعلّم الشيطان! أي أنّه يصل إلى مكان يعجز فيه الشيطان عن إغوائه! الشيطان نفسه يبقى متعجّبًا من شَيْطَنته! فيقول الشيطان: «أنا أيضًا لم أكن أعرف هذه الأشياء! من أين جاء هذا بهذه المسائل؟!». ما أقوله هو حقيقة، وليست مبالغة، ولا إغراقًا. يعني أنّ الإنسان يصل ـ في تصوير القضايا في ذهنه وفي كيفيّة ترتيب المسائل المتعلقة بالأمور الشخصيّة أو الاجتماعيّة ـ إلى مرتبة يقف فيها الشيطان عاجزًا، ولا يستطيع العثور على مصدر نشوء هذه المسائل الذهنيّة لديه! هذه مسألة عجيبة جدًّا. ولهذا، يجب الانتباه إلى هذا الأمر؛ خصوصًا أهل العلم، والذين يسعون لإنارة الناس وتقديم المسائل لهم؛ فيجب أن ينتبهوا كثيرًا إلى هذه القضيّة، ليُخمّنوا أين يكمن مصدر تصوّراتهم، وأين هو منبع قضاياهم الذهنيّة، وأين يُمكن أن يكون مرجع القضايا التي يُبيّنونها للناس.
على كلّ حال، هذه قضيّة مهمّة جدًّا جدًّا. يعني أنّنا نعتبر الارتباط بين القلب ومبدأ هذه المباني شرطًا أساسيًّا في تلقّي المباني العقلانيّة والفلسفيّة والمرتبطة بالعرفان النظريّ. وهناك بالمناسبة أناس يبحثون عن هذه المسائل، ولكنّ أيديهم قاصرة عن حقيقتها، ولديهم مجرّد نقوش في أذهانهم، دون أن تتجاوز هذه النقوش مرتبة التصوير، لتستقرّ في القلب، وتتمكّن تلك الحقائق في القلب والضمير؛ فلا يفعلون شيئًا. كان هناك أناس من أهل الدرس والبحث، وكانوا يتباحثون في هذه المسائل لسنوات طوال، وكانوا منشغلين بهذه الأمور؛ وبعد ذلك، نجدهم ينتهون إلى مسارٍ آخر، وينشغلون بمسائل أُخرى؛ وخلاصة الأمر، أنّ ما يُظهره عملُهم وكلامهم وتصرّفاتهم يتنافى تمامًا مع ما يمرّ في قلوبهم وأذهانهم! لقد كان هناك الكثيرون، وهم موجودون الآن أيضًا؛ وهذه المسألة شائعة ورائجة.
