
حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ
مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.
هل المُثُل الأفلاطونيّة مجرّد استدلالات عقليّة جافّة، أم أنّها نتاج رؤيّة باطنيّة وشهوديّة؟ ما هو مصدر التصوّرات الذهنيّة لدى أهل العلم؟ وكيف يُمكن أن يتحوّل طالب العلم إلى مجرّد إنسان آليّ يخلو من الارتباط الحقيقيّ بالمبدأ؟ وما هي حقيقة الطرد عن رحمة الله تعالى؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آيّة الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، وتُسلّط الضّوء على مواقف واقعيّة للعظماء تُبيّن كيفيّة التعامل مع الابتلاءات والالتزام بالهويّة الدينيّة بعيدًا عن التبريرات الواهية.
حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ
17يا شيخ المسجد! أنت الذي لديك كلّ هذه الادّعاءات، لماذا نهضت، وجئت إلى هنا؟! هل جئت لتمُدّ يد الاستجداء؟! حسنًا، نحن نقبل بذلك؛ مُدّوا يد الاستجداء، وسنشدّ عليها، ونحن أيضًا سنضع أيدينا في أيديكم، و[إن] استطعنا سنضع [أيدينا في أيديكم]؛ ولكن، لا تتباهوا بالإسلام علينا بعد الآن، ولا تشتمونا بعد اليوم! لأنّك أنت مَن مَدَدْتَ يد الحاجة إلينا، أيّها الشيخ! تَعَالَ، وانظر أنّك نائم على سرير مستشفى في لندن! أنا مَن يأتي للوقوف فوق رأسك وفحصك! لماذا نهضت وجئت؟ ألم يكن لديكم [أطبّاء] في إيران؟! وعلاوة على ذلك، فإنّ إيران في ذلك الوقت كانت ذات شأن، وأيّ أفراد كانوا فيها! يُقال: إنّ أفضل الأطبّاء كانوا في إيران نفسها، وكنت أذهب أنا أيضًا، حيث كان طبيبي في الأمراض الباطنيّة في ذلك الزمان هو الدكتور ناصر اتفاق؛ وكان هناك أيضًا الدكتور مهدي آذر، الذي كان من أفراد الجبهة الوطنيّة.. هؤلاء كانوا أطبّاء باطنيّين.
عندما ذهب أحد المرضى من روّاد مسجد المرحوم العلاّمة إلى لندن، ورأوا مَلَفّه الطبّي هناك، قالوا: «لماذا جئت إلى هنا مع وجود الدكتور ناصر اتفاق؟!». هؤلاء كانوا شيوخًا في ذلك الزمان، وقد توفّوْا جميعًا الآن. قالوا له: «أفضل أطبّاء العالَم هم إيرانيّون، فلماذا جئت أنت إلى هنا مع وجود هؤلاء؟! هذا، مع أنّ الأعمال الطبّية تُجْرَى وفق أعلى المعايير الحديثة».
لذلك، جاء وقال هذا: «أنت الذي جئت إلى هنا، وتمدّ يد الحاجة إلينا! فلماذا تقول لنا إذن: "بريطانيا كذا وبريطانيا كذا"»؟!
حينها، يُصَاب ساق هذا السيّد بِصدع! عبارة الدكتور توسّلي نفسها هي هذه: «لم يحدث شيء، أُصِيب بِصدع فقط؛ حتّى لو لم يضعوه في الجِبْس لَشُفِيَ من تلقاء نفسه! يكفي أن تَمُدَّ ساقك في المنزل ليُشفَى؛ حتّى إنّ صدعه كان يُرَى بصعوبة بواسطة الأشعّة السينيّة وأشعّة جاما والأشعّة السينيّة الطبّية! وحينئذ، نجده ينهض، ويذهب إلى الخارج بسبب هذه المسألة الصغيرة!».
لذلك، فإنّ قول الدكتور توسّلي: «أنا لا أستطيع البقاء هنا بدونه [المرحوم العلاّمة] بعد الآن» كان بسبب هذا.
الناس يفهمون الصِدْق، الناس يفهمون الحقيقة. يا عزيزي، الناس لم يأكلوا شَعِيرًا، بل يشعرون بالإخلاص، ويُدركون الصَفَاء، ويحسّون بالمَكْر؛ مهما أردنا إخفاء المسائل، فإنّها لا تبقى ـ في نهاية المطاف ـ هكذا، بل تنكشف، ويعرفون ما هي.
