
خطورة الادّعاءات المعنويّة وتجنّب زيادة الأعباء على النفس
الانحراف التدريجيّ للقلوب والتبدّل الجوهريّ للنفس
ما هي خطورة ادّعاء المقامات المعنويّة كالولاية والإمامة؟ كيف ينحدر الإنسان تدريجيًّا نحو التكبّر والفرعونيّة؟ متى تتحوّل العلوم الشرعيّة والآيات القرآنيّة إلى ظلمات في قلب الإنسان؟ وما هي مسؤوليّة السالك تجاه أسرار رفقائه وحقوق أساتذته؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قُدّس سرّه عن هذه الأسئلة، مسلّطةً الضوء على ضرورة التواضع وعدم تكليف النفس ما لا تُطيق، مع التحذير الشديد من التظاهر الدينيّ، والرياء، والانجذاب الروحيّ نحو أهل الباطل.
خطورة الادّعاءات المعنويّة وتجنّب زيادة الأعباء على النفس
10طالما كان المرحوم الوالد حيًّا، كنتُ أراه كلّما التقى بأساتذته يُقبّل أيديهم! رأيتُ بعينيّ كيف قبّل يد الشيخ عبد الجواد السدهيّ الأصفهانيّ، وأمرنا بالذهاب، وتقبيلها نحن أيضًا. ورأيتُ بعينيّ كيف قبّل يد السيّد رضا بهاء الدينيّ، وقال لنا: اذهبوا وقبّلوها. مع أنّهم لم يكونوا أساتذته في العرفان والسير والسلوك؛ بل كانوا أساتذة في الأصول. لقد درس القوانين والرسائل، وجزءًا من استصحاب الرسائل عند المرحوم الشيخ عبد الجواد الأصفهانيّ.۱ ودرس مباحث القطع والبراءة والاشتغال والرسائل عند المرحوم السيّد بهاء الدينيّ.٢ ما هذا المنهج؟! إنّه منهج الإتقان. أما السيّد «الحدّاد» وغيره فلهم مكانتهم. ومسائلهم لها مكانتها أيضًا. هل تلاحظون؟ هذا يدلّ على أنّ النفس فيها نور، ويدلّ على أنّ طريقه صحيح، ويدلّ على أنّ عمله صحيح. ولهذا، فالخطر كلّ الخطر هو أنّه عندما ينظر الإنسان ويصل إلى حقيقة أو إلى مسألة، ألاّ يتغاضى عنها؛ مهما كانت. فليكُن الطريق هو الطريق الذي بيّنه الإمام السجاد عليه السلام، حيث يقول [ما معناه]: «لو أنّ القاتل الذي قطع رأس أبي الحسين عليه السلام ائتمنني على السيف الذي قتله به، لأدّيتُه إليه».٣
أمانة السرّ: هل تُبرّر الخصومةُ إفشاءَ أسرارِ الرفقاء؟
انظروا كم هو عجيب هذا الكلام الذي يُريد الإمام عليه السلام أن يقول فيه هنا: «المعيار هو الانطباق على الحقّ». افترض أنّ شخصًا قد استأمنك على شيء؛ فيجب على الإنسان إمّا أن يرفض الأمانة [أو ألاّ يخونها إذا قبلها]. إذا جاءك رفيق، واستأمنك على سرّ، فلا يجب أن تُفشي هذا السرّ! وإذا اختلفتما غدًا، فلا ينبغي أن تقول «بما أنّنا اختلفنا، فلم يعُد لديّ التزام أو تعهّد؛ سأذهب وأُفشيه!». كلاّ! إنّه أودعك هذا السرّ، فهل أودعه إيّاك طالما أنتما رفقاء، أم حتّى آخر العمر؟! كم أعطاك من الوقت؟ كم حدّد لك من الأجل، لتقول: «بما أنّنا اختلفنا، فسأذهب وأقول ذلك؛ لم تعُد بيننا رفقة»؟! يقول الإمام السجّاد عليه السلام: «السرّ أمانة!». ويجب أن تُؤدّى الأمانة وفق موازينها، وأن يُعمل بها. إذا اتّفقنا منذ البداية على أنّه: «يا عزيزي، سأحفظ هذا السرّ طالما نحن رفقاء»، وقال ذلك الشخص: «حسنًا؛ وعندما نختلف، يُمكنك إفشاؤه إن شئت»، [فلا بأس]. ولكن، قد يقول أحيانًا: «ليُحفظ هذا السرّ عندك، ولا تفشه إلى يوم القيامة!». وحينئذ، إذا افترضنا أنّنا اختلفنا غدًا [وقطعنا رفقتنا]، فهل يحقّ لي أن أذهب وأفشي سرّه؟! [كلاّ]؛ إذا أفشيتُه، فقد ارتكبتُ عملاً محرّمًا؛ هذا العمل يصبح حرامًا؛ هذا العمل يصبح مخالفًا لمدرسة أهل البيت عليهم السلام.
- الشمس المنيرة، ص ٢۰.
- الشمس المنيرة، ص ٢۰.
- بحار الأنوار، ج ۷٢، ص ۱۱٤:
«عَليكُم بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ؛ فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ نَبِيًّا، لَوْ أَنَّ قَاتِلَ أَبِيَ الْحُسَينِ بْنِ عَلِيٍّ ائْتَمَنَنِي عَلَى السَّيفِ الَّذِي قَتَلَهُ بِهِ لَأَدّيْتُهُ إِليْه».
