
حقيقة التكليف ومراتبه
التكليف بين العوامّ والسالكين إلى الله تعالى
ما هو منشأُ الطاعة عند الملائكة والتمَرُّدِ عند إبليس في قصّة السجود لآدم عليه السلام؟ وكيف يختلف تكليف السالكين إلى الله عن تكاليف الناس العاديّين؟ وما هي خطورة الاستخفاف بأوامر الدين ومآل التهاون في الحفاظ على الحال الجيّد؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه ـ في ضمن سلسلة محاضرات عن الولاية التكوينيّة ـ عن هذه الأسئلة، مبيّنةً أنّ الكمال لا يتحقّق بمجرّد أداء الفرائض.
حقيقة التكليف ومراتبه
17نُقِلَ عن ابن عبّاس أنّه قال [ما معناه]: في يوم من الأيّام، قال أمير المؤمنين عليه السلام لأخيه عقيل الذي كان خبيرًا جدًّا بأنساب العرب۱: «اختر لي امرأة لديها هذه الخصائص: أن تكون عائلتها وعشيرتها من الأعَاظِم والشجعان، وأفرادًا لا يعرفون الخوف ولا يتردّدون». قال عقيل: «هذه الخصائص التي تصفها لي من الشجاعة والصمود والعظمة، أراها في قبيلة بني كلاب». فذهب، واختار منهم أمّ البنين، والدة أبي الفضل العبّاس عليه السلام. بعد ذلك، سأل عقيل أمير المؤمنين عليه السلام: «لماذا تبحث عن مثل هذه الخصائص؟» فقال أمير المؤمنين عليه السلام: «أريد أن أُنجِب منها ولدًا يحمي ولد النبيّ في يوم عاشوراء».٢
كلّ هذه الحسابات كانت مُعدَّة سلفًا! لم يكن قلق جيش عمر بن سعد وعبيد الله بن زياد إلّا من أبي الفضل العبّاس عليه السلام. ولدينا [في التاريخ]: قبل أن يأتي الشمر بن ذي الجوشن إلى كربلاء، كان جالسًا في يوم من الأيّام عند عبيد الله بن زياد، وكانا يطرحان ويُحلّلان المسائل الحربيّة. يقول الشمر: «كان ابن زياد قلقًا جدًّا. فقلت له: "مِمَّ تخاف؟"، فقال: «أخاف من أخ الحسين؛ إذا كان أخوه في أصحاب الحسين، فلست آمنًا على هذا الجيش!». عندئذٍ، جلسوا، وفكّروا في حيلة، وهي أن يأتوا بأمانٍ لأبي الفضل عليه السلام. هذا الأمان كان بسبب هذا؛ وليس لأنَّ قلب الشمر رقَّ لأبي الفضل عليه السلام، وليس لأنَّها كانت مسألة قرابة! اقترح الشمر هناك أن يأتوا بأمان؛ فجاءوا بأمان.
في ليلة عاشوراء، وقف الشمر بجانب خيام سيّد الشهداء عليه السلام، ونادى: «أَيْنَ بَنُو أُخْتِنَا؟»، وكان يقصد أبا الفضل وإخوته الأربعة؛ لأنَّ الشمر نفسه كان من قبيلة بني كلاب. لم يعتنِ أبا الفضل به! قال سيّد الشهداء عليه السلام لأبي الفضل: «كأنّه يناديك. أجبْهُ؛ اذهب وانظر ماذا يقول». عندما تقدّم، أظهر الشمر الأمان [وقال]: «جئتُ بأمانٍ لك ولأخوتك من قِبَل الأمير عبيد الله بن زياد!» فقال أبا الفضل هناك: «تَبًّا لك! أَنَتْرُكُ سَيِّدَنَا وأَخَانَا ونَخْرُجُ إِلَى أَمَانِكَ؟!».٣
جاء إلى سيّد الشهداء عليه السلام [وقال]: «يا أخي، لقد سئمت من الحياة!»، حيث جاء في وقت لم يبقَ فيه أحد من الأصحاب ومن أهل البيت؛ قُتِلَ جميع الإخوة، وقُتِلَ أولاد سيّد الشهداء، ولم يبقَ أحد آخر. قال سيّد الشهداء: «إذا ذهبت أنت، فعلى من أستند إذًا؟! إذا ذهبت أنت، سأفقد سَنَدي!» هذا عجيب جدًّا! لكنَّه أَلَحَّ وأصرّ. [فقال سيّد الشهداء]: «ما دام الأمر كذلك، فأحضر لهؤلاء الأطفال ماءً!»
- كان العرب يتشكّلون من عدّة قبائل؛ فكان مطّلعًا بنحو كبير على هذه القبائل وأهلها، وعالِمًا بأنساب العرب.
- راجع: تنقيح المقال، ج ٣۸، ص ٤۰٥؛ عمدة الطالب، ص ٣٢۷.
- راجع: تاريخ الطبريّ، ج ٥، ص ٤۱٥ و٤۱٦؛ مقتل الحسين عليه السلام، الخوارزميّ، ج ۱، ص ٣٤۸ و٣٤٩.
