
حقيقة التكليف ومراتبه
التكليف بين العوامّ والسالكين إلى الله تعالى
ما هو منشأُ الطاعة عند الملائكة والتمَرُّدِ عند إبليس في قصّة السجود لآدم عليه السلام؟ وكيف يختلف تكليف السالكين إلى الله عن تكاليف الناس العاديّين؟ وما هي خطورة الاستخفاف بأوامر الدين ومآل التهاون في الحفاظ على الحال الجيّد؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه ـ في ضمن سلسلة محاضرات عن الولاية التكوينيّة ـ عن هذه الأسئلة، مبيّنةً أنّ الكمال لا يتحقّق بمجرّد أداء الفرائض.
حقيقة التكليف ومراتبه
10معنى الفعليّة في الملائكة وكيفيّة حركتهم
التكليف موجود في حقّ الملائكة، لكنَّهم وصلوا إلى مرحلة الفعليّة؛ أي أنَّ جوانب الجهل بالنسبة إليهم مسدودة ومنتفية. ففي سلسلة المراتب ـ التي تشمل الملائكة المقرَّبين والملائكة الأدنى، وتشمل جبرائيل في مرتبته الوجوديّة الخاصّة، والملائكة الأدنى في مرتبتهم الوجوديّة الخاصّة، وهكذا حتّى نصل إلى الملائكة الذين يتولّون تدبير عالم المُلك ـ وصل جميعُ الملائكة إلى مرحلة الفعليّة من حيث بلوغ الكمال المرتبط بمرتبتهم الخاصّ، بحيث لم تبق أيّة فعليّة أخرى [لم يصلوا إليها].
بالطبع، يمكن للمَلَك أن يتحرّك من حيث السير في المرحلة العَرْضيّة، لا في المرحلة الطوليّة؛ فالملَكُ الذي في المرحلة الأدنى لا يُمكنه ـ من ناحية الوصول إلى الكمال ـ أن يصل أبدًا إلى جبرائيل؛ ولكن، من ناحية الحركة في المَواهِب والنعم الإلهيّة والسير في التجلّيات الإلهيّة في تلك المرحلة ـ التي تُسمّى الحركة العَرْضيّة ـ لديه مجال إلى ما لا يَتَنَاهى، ويُمكنه الحركة. ولكن، مهما كانت مرتبة هذا المَلَك، لا ينتابه الجهل.
ولهذا، فإنّ الملائكة تامّون من حيث الفعليّة ومن ناحية أنّهم وصلوا إلى مرحلة تشخيص المصلحة؛ وبما أنّهم لا يُشاهدون في أوامر الله تعالى غير المصلحة، فإنّهم يتحرّكون نحو الأمر بمجرّد صدوره. ولكنّنا نحن لسنا هكذا؛ فمن جهة، نحن واجدون للمصلحة التي وضعها الله تعالى للأحكام، ومن جهة أخرى، بما أنَّ نقاط الضعف والجهل موجودة فينا، فإنَّ هذا الجهل يتسبّب في أن نتجاهل أحيانًا جهات المصلحة تلك. ولكنَّ الملائكة ليسوا هكذا؛ إنّهم يتحرّكون باختيار وإرادة نحو الأفعال التي يوكلها الله إليهم، ونحو الأوامر التي يأمرهم تعالى بها.. كلّ هذا يكون باختيار. ﴿بَل عِبَادٌ مُّكرَمُونَ * لَا يَسبِقُونَهُۥ بِٱلقَولِ وَهُم بِأَمرِهِۦ يَعمَلُونَ﴾؛ إنَّهم يشعرون بالمصلحة في وجودهم، ولا يرون طريقًا آخر للمخالفة في أنفسهم.
وجه الجمع بين فعليّة الملائكة وجهلهم
الملائكة ليسوا ممّن وصلوا إلى مرحلة الكمال من حيث إدراك المسائل العلميّة، بل وصلوا إلى مرحلة الكمال من حيث الفعليّة والجهل۱ في مرتبتهم الخاصّة، لا بشكل مطلق. لذلك، نجد الملائكة أنفسهم يعترضون على الله تعالى عند خَلْق آدم: ﴿قَالُوٓاْ أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا وَيَسفِكُ ٱلدِّمَآءَ﴾٢؛ أي: أنت تخلق إنسانًا سيُفسد في هذه الدنيا. إذًا، من الواضح أنّه ليس لديهم خبر ولا اطّلاع على خصوصيّات آدم؛ وإلاّ، لو كان لديهم اطّلاع، لما اعترضوا. ولكن، بما أنَّهم وصلوا إلى الفعليّة في مرتبتهم الخاصّة، فإنَّهم يعلمون أنَّ أمر الله تعالى بالسجود هو أمرٌ تامٌّ نابعٌ من المصلحة والمقام الإلهيّ، ولا مجال للنقض فيه؛ لذلك، سجد جميع الملائكة مع عدم علمهم؛ وهذا هو ما يسمّونه الوصول إلى الفعليّة. فعلى الرغم من أنَّهم لا يعلمون ذلك السرّ، وعلى الرغم من أنَّهم يعلمون أنّه لا ينبغي السجود لغير الله، ولكن بما أنَّ الأمر صدر، فإنّهم سجدوا.
- هكذا جاء؛ ولعلّ مراد المحاضر رضوان الله تعالى عليه العلم. المترجم
- سورة البقرة، الآية ٣۰.
