
دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان
النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة
كيف كان التراب هو الأصل الأوّل لخلقة الإنسان؟ ما هي العلاقة بين اختلاف البشر في الخلقة وكمالهم؟ لماذا لا يمكن لأيّ أحد أن يجعل أعمال غيره الله مقياسًا لأعماله هو؟ ما هو دور الأنبياء والأولياء في توجيه الناس؟ ما هي حقيقة الوحي؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة العلامة السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدّس الله سرّه في ضمن سلسلة محاضرات حول الولاية التكوينيّة عن هذه الأسئلة والمزيد.
دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان
8رأي إبراهيم الأدهم بخصوص تكليف الإنسان في الامتحانات المختلفة
يُحكى أنّ إبراهيم الأدهم عندما التقى بأحد أدعياء التصوّف في طريقه إلى مكّة، سأله: «كيف حالك؟». فأجابه: «إذا رزقني الله، آكل، وإلاّ شكرتُه». فقال له: «هذا عملُ كلاب الكوفة: إذا وجدوا عظمةً أكلوها، وإلاّ صبروا». فسأله: «وماذا تفعل أنت؟» فأجاب: «إذا رزقني الله، أُنفق، وإلاّ صبرتُ وشكرتُ».۱
إنه يُعطي شخصًا مالاً، ويتوقّع منه إنفاقه. وبالمقابل، يُعطي شخصًا آخر فقرًا، ويتوقّع منه الصبر والشكر. حسنًا، من الذي يُعطي الفقر؟ الله هو الذي يُعطي الفقر. ومن الذي يُعطي المال؟ الله هو الذي يُعطي المال أيضًا. فيُعطي شخصًا مالاً ويقول له: «تعالَ وأنفق!». ويُعطي آخر فقرًا ويقول له: «احمد واشكر، واصبر! لا تتذمّر إلى هذا الحدّ! لا تتوقّع شيئًا من الآخرين! لا تتوقّع أن يُنعمَ عليك الآخرون! اجعل توقّعك من الله وحده!». فيختبره بالفقر. وكذلك، يُعطي شخصًا صحّةً وسلامةً، ويتوقّع منه أداء التكاليف، ورعاية أمور الناس، وقضاء حوائجهم. ومن ناحية أخرى، يُعطي شخصًا مرضًا، ويتوقّع منه الصبر والشكر. ويتوقّع منه أن يقول لله: «يا إلهي، الآن وقد أعطيتني المرض، كم كان من الممكن أن أرتكبَ من الذنوب! ولكنّني لم أفعل ذلك بسبب هذا المرض».
النظرة التوحيدية للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحة
يقول الإمام السجّاد عليه السلام في دعاءٍ له في الصحيفة السجّادية بخصوص المرض: «يا إلهي، لا أعلم على أيٍّ من هاتين النعمتين أشكرك، هل أشكرُكَ على نعمة الصحة والسلامة، أم على نعمة المرض؟ فأشكرك على نعمة الصحّة؛ لأنّك جعلتني قادرًا على قضاء حوائج الناس، والقيام بطاعاتك، وعلى استخدام هذه الصحّة والسلامة في سبيل رضاك. ومن ناحية أخرى، فقد أعطيتني المرض، وكم كان من الممكن أن أرتكبَ من الجرائم والذنوب بسبب الصحّة والسلامة، ولكنّ يدي قد كُبّلت بسبب هذا المرض! فلا أعلمُ على أيّة مسألةٍ أشكرك، هل على الصحّة أم على المرض؟!»٢. على الصحّة وعلى المرض! فعلى الإنسان أن يكون شاكرًا على كليهما. هذا مقابلَ ذاك، وذاك مقابلَ هذا!
﴿وَلَٰكِن لِّيَبلُوَكُم فِي مَآ ءَاتَىٰكُم﴾، نُعطيكَ الصحة، فنختبرك بها، ونعطيكَ المرض، فنختبرك به. نعطي الآخر مالاً، فنختبره بماله، ونعطي آخرَ فقرًا، فنختبره به. نعطي شخصًا علمًا، فنختبره به. أين يستخدمُ العلماءُ علمَهم؟ هل يستخدمون ذلك العلم للرياء والسُمعة؟ هل يستخدمونه للوصول إلى المطامع الدنيويّة؟ هل يستخدمونه لكسبِ رضا الأنظمة والحكومات الجائرة؟ فيضعون تحت تصرّفهم كلّ ما يطلبونه منهم. هل يستخدمون ذلك العلم للقضاء على حقائق الدين ومبادئه، ويُظهرون دينَ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله كدينٍ لا قيمةَ له في أعين الناس؟ هل يكسرون ظهرَ النبيّ الأكرم بهذا العلم، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «قَصَمَ ظَهري رَجُلان»٣؟ إنهم بتعلّمهم بضعة مصطلحات وبضعة تبريرات، يُظهرون حقيقةً دينيّةً مهمّةً على أنّها عكسُ ما هي عليه، ويستخدمون هذا العلم في خدمة الآخرين!
- راجع: حلية الأولياء، ج ۸، ص ٣۷.
- الصحيفة السجّادية، ص ۷٦:
«اللهمَّ لَكَ الحَمدُ عَلىٰ ما لَم أزَل أتَصَرَّفُ فيه مِن سلامةِ بَدَني، ولَكَ الحَمدُ علىٰ ما أحدَثتَ بي مِن علّةٍ في جسدي فما أدري يا إلهي، أيّ الحالَينِ أحَقُّ بالشُّكرِ لك، وأيّ الوقتَينِ أوليٰ بالحمدِ لك؟ أ وقتُ الصّحّةِ الّتي هَنَّأتَني فيها طيباتِ رزقِك، ونَشَّطتَني بها لِابتِغاءِ مَرضاتِك وفضلِك، وقوَّيتَني معها عليٰ ما وَفَّقتَني له مِن طاعتِك، أم وقتُ العلّةِ الّتي مَحَّصتَني بها والنِّعَمِ الّتي أتحَفتَني بها، تخفيفًا لِما ثَقُلَ به على ظَهري مِن الخطيئاتِ، وتطهيرًا لِمَا انْغَمَسْتُ فيه مِن السّيئاتِ، وتنبيهًا لِتَناوُلِ التّوبةِ وتذكيرًا لِمَحوَ الحَوبَةِ بِقَديمِ النِّعمَة؟» - معدن الجواهر، ص ٢٦:
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «قَصَمَ ظَهري رَجُلان: عالِمٌ مُتَهَتِّكٌ وجاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ؛ هذا يُضِلُّ النّاسَ عن عِلمِه بتَهَتُّكهِ وهذا يدعوهُم إلى جَهلِهِ بتَنَسُّكِه».
