
دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان
النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة
كيف كان التراب هو الأصل الأوّل لخلقة الإنسان؟ ما هي العلاقة بين اختلاف البشر في الخلقة وكمالهم؟ لماذا لا يمكن لأيّ أحد أن يجعل أعمال غيره الله مقياسًا لأعماله هو؟ ما هو دور الأنبياء والأولياء في توجيه الناس؟ ما هي حقيقة الوحي؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة العلامة السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدّس الله سرّه في ضمن سلسلة محاضرات حول الولاية التكوينيّة عن هذه الأسئلة والمزيد.
دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان
16أبقى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام عليَّ بن يقطين في بلاط هارون، وقال له: «ابقَ هناك، واعتنِ بشيعتي، وادفعْ عنهم المشاكلَ التي تُحدقُ بهم».۱ فكانَ عليٌّ مقرّبًا جدًّا في بلاط هارون؛ ولهذا، عندما كان البعضُ يسعى لإيذائه لدى هارون، ويقولون إنّه على علاقةٍ بالإمام موسى بن جعفر عليه السلام، كان الإمامُ يوجّهُ إليه تعليماتٍ تُغيّرُ رأيَ هارون، فيظنُّ هارون أنّه لا توجدُ أيّة علاقةٍ بينهما. وقضيّة الوضوء [على منهج أهل السنّة] التي تعرفونها جميعًا خيرُ دليلٍ على ذلك.٢
ضرورة الإشراف على النفوس لتربية الأفراد
المسألة هي أنّ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام يستطيعُ أن يضعَ شخصًا في بلاط الحكم، ويقول له: «اذهبْ وكنْ وزيرًا لهارون!». ولكنْ، هل يمكنُني أن أجعلَ عمل عليّ بن يقطين مقياسًا لي؟! لا يمكنني ذلك أبدًا! إذا جعلتُه مقياسًا لي، فإنّني سأُلقي بنفسي في نارِ جهنّم! فالإمام موسى بن جعفر عليه السلام هو من يستطيعُ أن يُدرك هل ذهاب هذا الشخص إلى البلاطِ مُفيدٌ أم مضرٌّ له. أنا لا أستطيعُ أن أُدرك ذلك، وعملُ عليّ بن يقطين ليس مقياسًا لي.
عتاب آية الله السيد جمال الدين الكلبايكانيّ لقائم مقام رفيع بسبب تشبيه نفسه بعليّ بن يقطين
يُروى أنّ قائم مقام رفيع، الذي كان في بلاط رضا شاه، وكان رجلاً يُصلّي ويُطلقُ لحيته، ذهبَ في إحدى المرّات إلى المرحوم آية الله السيد جمال الدين الكلبايكانيّ، الذي كان من أعظمِ مراجع النجف، فعنّفَه السيّد وقال له: «أتذهبُ إلى بلاط الظالمين وتخدمُهم؟!». فأجاب:
يا سيّدي! ما أفعله هو ما فعله عليّ بن يقطين؛ فقد ذهبَ هو إلى بلاط هارون الرشيد واعتنى بالشيعة، ودرأَ عنهم المصائبَ التي كانت تُحدقُ بهم. وأنا أيضًا ذهبتُ إلى بلاط رضا شاه لأدفعَ المصائبَ التي تُحدقُ بشيعتنا، فقد يلحقُ الأذى بأحدهم، وقد يُظلمُ شخصٌ ما، وأنا أدفعُ عنه ذلك.
فقال المرحوم السيد جمال الدين الكلبايكانيّ: اخرس! يذهبون إلى بلاط الظلم ويأكلون كلّ ما فيه من قبح، ثمّ يتذرّعون بعليّ بن يقطين! يفعلون كلّ الأخطاء، ثمّ يتذرّعون بعليّ بن يقطين. ذاك كان موسى بن جعفر، وذاك كان عليّ بن يقطين! أين أنت من عليّ بن يقطين؟! اعثرْ على مثل موسى بن جعفر، ثمّ انطلقْ بأمره إلى أيّ مستنقعٍ تريد أن تذهبَ إليه!٣
- راجع: قرب الإسناد، ص ٣۰٥ و٣۰٦؛ رجال الكشّي، ص ٤٣٣؛ قضاء حقوق المؤمنين، ص ٢٣.
- راجع: الإرشاد، ج ٢، ص ٢٢۷:
عن محمّدِ بن الفضل قال: «اختلفَتِ الروايةُ مِن بينِ أَصحابنا في مسحِ الرجلَينِ في الوضوء، أَهوَ من الأصابِع إِلى الكَعْبَينِ، أَمْ مِنَ الكَعبينِ إِلى الأصابِع؟ فكتبَ عليُّ بن يقطين إِلى أَبي الحسن موسى عليه السلام: "جُعِلْتُ فِداكَ، إنّ أَصحابَنا قَدْ اختلفُوا في مسحِ الرجلينِ، فإِن رأَيتَ أَنْ تَكتُبَ إِليَّ بخطِّكَ ما يكونُ عَملي بحَسَبِهِ، فَعَلْت إِنْ شاءَ اللهُ"
فكتبَ إِليهِ أَبو الحسنِ عليه السلام:
"فَهِمْتُ ما ذَكَرْتَ مِنَ الاختِلافِ في الوُضوء، والذي آمرُكَ بهِ في ذلكَ أَنْ َتتمضمض ثلاثًا، وتَستَنْشِقَ ثلاثًا، وتغسِلَ وَجْهَكَ ثلاثًا، وتُخَلِّلَ شَعْرَ لحيَتِكَ (وتَغْسِلَ يدَكَ إِلى المِرفقَينِ ثلاثًا) وتمسَحَ رأسَكَ كُلَّه، وتمسَحَ ظاهِرَ أُذُنَيْكَ وباطِنَهُما، وتَغْسِلَ رِجْلَيْكَ إِلى الكَعْبَينِ ثلاثًا، ولا تُخالفْ ذلكَ إلى غيرِه".
فلمّا وصَلَ الكتابُ إِلى عليِّ بنِ يقطين، تعجَّبَ ممّا رُسِمَ لَهُ فيهِ ممّا جميعُ العصابةِ على خلافهِ، ثم قال: "مولايَ أَعلمُ بما قال، وأَنا ممتثلٌ أَمرَهُ"، فكانَ يعملُ في وضوئهِ على هذا الحدِّ، ويخالفُ ما عليه جميعُ الشِيعةِ، امتثالاً لأمرِ أَبي الحسنِ عليه السلام.
وسُعِيَ بعَليِّ بنِ يقطين إِلى الرشيدِ وقيِلَ لَهُ: "إِنّه رافِضي مخالِف لَكَ"، فقالَ الرشيدُ لِبعضِ خاصَّتِه: "قَدْ كَثُر عِندي القولُ في عليِّ بن يَقطين، والقرْفُ له بخلافنا، ومَيْلُهَ إِلى الرَّفْضِ، ولَسْتُ أَرى في خِدْمته لي تقصيرًا، وقَدِ امْتَحَنْتُه مِرارًا، فما ظَهَرْتُ منه على ما يُقْرَفُ به، وأُحبّ أَن أستَبرئَ أَمرَهُ مِنْ حيثُ لا يَشْعُرُ بذلك فَيَتَحرّز منّي". فقيلَ له: "إِنّ الرافِضَةَ ـ يا أَميرَ المؤمنين ـ تُخالِفُ الجماعةَ في الوُضوء فتُخَفِّفُه، ولا ترى غَسْلَ الرِجْلين، فامْتَحِنْهُ مِنْ حَيث لا يَعْلمُ بالوقوفِ على وضوئه". فقال: "أَجَلْ، إِنَّ هذا الوَجْهَ يَظْهَرُ به أَمْرُه".
ثمّ تركه مدَّةً وَناطَهُ بشيءٍ من الشُّغْلِ في الدارِ حتى دَخَلَ وَقْتُ الصلاة، وكانَ عليُّ بن يَقْطين يَخلُو في حُجْرةٍ في الدارِ لِوُضُوئهِ وَصَلاتِه، فلَمّا دَخَلَ وَقْتُ الصلاةِ وَقَفَ الرشيد مِنْ وَراء حائطِ الحُجْرَةِ بحيث يَرى عَليَّ بن يقطين ولا يَراه هو، فَدَعا بالماءِ لِلْوُضُوء، فَتَمَضْمَضَ ثلاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثلاثًا، وغَسَلَ وَجْهَهُ، وخَلَّل شَعْرَ لِحْيَتِه، وغَسَلَ يَدَيْه إِلى المِرْفَقَيْن ثلاثًا، ومَسَحَ رَأْسَهُ وأُذنَيْه، وغَسَلَ رِجْلَيْهِ، والرشيدُ يَنْظُرُ إِليه، فَلَمَا رآه قد فَعَلَ ذلك لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ حتى أشْرفَ عليه بحيث يَراه، ثم ناداهُ: كَذبَ ـ يا عليّ بن يقطين ـ مَنْ زَعَمَ أَنّكَ مِنَ الرّافِضَةِ. وصلُحَتْ حالهُ عِنْدَه.
ووَرَدَ عليه كتابُ أَبي الحسن عليه السلام: "ابتدِئ من الآن يا عليَّ بن يقَطين، تَوَضَّأ كما أَمَرَ اللهُّ، اغْسلْ وَجْهَكَ مَرّةً فريضةً وًاخْرى إِسباغًا، وَاغْسلْ يَدَيْكَ مِنَ المِرْفَقَيْنِ كذلكَ، وَامْسَحْ بِمُقَدَمِ رَأْسِكَ وَظاهِرِ قَدَمَيْكَ مِنَ فَضلِ نَداوَةِ وُضُوئكَ، فَقَدْ زالَ ما كان يُخافُ عَلَيْكَ، والسلام"». - راجع: مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ٢، ص ٤۰٥ و٤۰٦.
