
وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام
ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات
هل كلّ موجود في هذا العالم، حتّى النحل، له شريعة وطريق خاصّ؟ وما العلاقة بين الشريعة والطريقة في الإسلام؟ وهل يمكن للأحكام أن تختلف من شخص لآخر؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ في ضمن سلسلة محاضرات الولاية التكوينيّة عن هذه الأسئلة التي تبحث في جوهر النظام التكوينيّ الإلهيّ.
وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام
4هذه هي نحلة الاستطلاع. عندما انتهت حركة هذه [النحلات الاستطلاعيّة]، نهضت جميعها فجأةً وتحرّكت نحو الوجهة التي يجب أن تذهب إليها.. هذا هو معنى ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾.
عدم وجود فرق في كيفيّة نزول الوحي على الأنبياء وعلى النحل
إذن، ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ يعني؛ يا عزيزي! لقد أوحى الله [للنحل]. أجل، «وحي»! فكما كان يوحي للأنبياء، أوحى لهذه أيضًا، فما الإشكال في ذلك؟ الوحي هو الوحي.
الآن، يأتي البعض ويفسّرون هذا ويفسّرون ذاك؛ يأخذون الوحي بمعنى آخر ومعنى مجازيّ: «المقصود هو أنّ الله خلقهنّ هكذا»، لا يا عزيزي، لقد وضع فيهنّ شعورًا وفهمًا وأوحى إليهنّ. «يا عزيزتي، اذهبي وقومي بهذا العمل»، تمامًا كما كان يوحي للأنبياء. «اذهب وبلّغ هذا الحكم»، فعل مع هذه [النحلة] الشيءَ نفسَه. فلماذا يكونان أمرين مختلفين؟ وما الإشكال في أن يكون [أمر واحد] في كليهما؟
إنّ للوحي معنى عامًّا: تارةً يكون ذلك المعنى بلسان «صلِّ وصُم وحُجّ وزكِّ»، وتارةً يكون بمعنى: «قُم بهذا العمل»، فيقول لنفس هذه النحلة: «لا تقم بذلك العمل!». فكلاهما حكمٌ، [ولكنّ] حكمهما يختلف؛ فهو يأمر الأنبياء بهذا النحو ويأمر النحل بذلك النحو.۱ ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ كلّ هذا قائمٌ على أساس تلك الغرائز والشاكلة التي وضعها الله في وجودها، وهذه النحلة تفهمها؛ فتفهم أنّها يجب أن تستخدم الزهرة الفلانيّة، وإن لم تستخدمها، فسيُقبض عليها عند مدخل الخليّة! وهذا يدلّ على أنّ حضرة النحلة هذه لها شعورٌ وإدراك، ويجب أن تتحرّك وفق الشريعة والطريقة التي قرّرها الله لها. ولهذا، فإنّها تفهم، ولديها شعور بما تفعله؛ فلا ينبغي أن يُؤدّي صغرُ حجمها إلى أن نعتبر هذه المسألة منتفيةً فيها.
حكاية إيصال النحلة الرزق لعصفور أعمى
تذكّرت الآن قضيّةً [روايتُها] لا تخلو من لطفٍ. لقد سمعت هذا الموضوع من نجل المرحوم [آية الله الشيخ محمد جواد] الأنصاريّ رضوان الله عليه، حيث قال:
قال والدي لي: في أيّام الطفولة (سنّ الثامنة أو التاسعة)، كانت لدينا مزرعة خارج همدان نزرع فيها القمح والشعير، حيث كان والدي مزارعًا. وعند الحصاد، كنّا نجمع القمح على شكل أكوام، حتّى يأتي موظّف الدولة ويفرض لنا، ويأخذ مقدارًا معيّنًا من الضريبة. خلاصة القول، عندما كانت الدولة تسمح لنا بالتصرّف فيه، كنّا نحمل القمح إلى همدان، ونعرضه للبيع والشراء وأمثال ذلك. ولكي يكون هذا القمح بعيدًا عن معرض الآفات، كنّا نتردّد إلى هناك باستمرار؛ فكنت أذهب بنفسي إلى هناك، وأتفقّد ذلك القمح حتّى يأتي والدي. ذات يومٍ، كنت أحرس هذه [الأكوام] ومشغولاً بعملي، فرأيت فجأةً إحدى هذه النحلات الكبيرة والضخمة جاءت ودارت حول كومة القمح عدّة مرّات [حتّى] أخذت حبّة وذهبت. تعجّبت كثيرًا [وقلت في نفسي]: «لا يوجد تناسب بين النحلة الكبيرة والقمح! فغذاء النحلة ليس هو القمح!». وبعد مدّة، رأيتها جاءت مرّة أخرى، وبدأت بالدوران، وأخذت حبّة قمح أخرى وذهبت! زاد تحفّزي [لأعرف] ما القضيّة. لم تمضِ لحظات، حتّى رأيت هذه النحلة جاءت مرّة أخرى، وأخذت واحدة أخرى! هذه المرّة قلت: «يجب أن أتبعها وأرى ما شأنها!». ركبت الفرس، وتحرّكت بسرعة نحو النحلة، فرأيتها تحرّكت من داخل أحد أزقّة البساتين كان هناك، ودخلت بستانًا. نزلتُ فورًا عن الفرس، وذهبت بسرعة حتّى لا أفقدها. رأيتها صعدت إلى أعلى أحد الأسقف، فبقيت هناك قليلاً ثمّ عادت. [قلت في نفسي]: «ستعود حتمًا. سأصعد إلى هناك وأرى ما الخبر». تحرّكتُ وأمسكتُ بعارضة الغرفة٢ وصعدتُ. وفي هذه اللحظة، عادت تلك النحلة مع حبّة قمح أخرى. عندما نظرتُ جيّدًا، رأيت أنّه عشّ عصفور. أخرج عصفورٌ رأسه من العشّ، ووضعت هذه النحلةُ حبّةَ القمح في فمه وذهبت! رأيتُ أنّ العصفور أعمى ولا عينين له! لقد أمر الله هذه [النحلة] بأن تُؤمّنَ رزق هذا العصفور من القمح!
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة الإمام، ج ۱، ص ٢۱۸؛ معرفة المعاد، ج ۷، ص ۱٩۸؛ أفق وحي (فارسي)، ص ٢٤٦.
- من تلك الغرف التي يُشيّدونها داخل البساتين.
