
وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام
ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات
هل كلّ موجود في هذا العالم، حتّى النحل، له شريعة وطريق خاصّ؟ وما العلاقة بين الشريعة والطريقة في الإسلام؟ وهل يمكن للأحكام أن تختلف من شخص لآخر؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ في ضمن سلسلة محاضرات الولاية التكوينيّة عن هذه الأسئلة التي تبحث في جوهر النظام التكوينيّ الإلهيّ.
وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام
12فإن تهرّب شخصٌ من هذه التكاليف [السلوكيّة]، سيميل إلى تلك [الأوامر الظاهريّة] فقط؛ وإن أخذ شخصٌ تلك الأوامر وهذه المسائل معًا، سيهتدي إلى الشريعة الحقيقيّة. وللوصول إلى الشريعة الحقيقيّة، يجب أن يكون المرء تحت نظر من وصل إلى متن الواقع وإلى الحقيقة؛ وإلاّ، فعن طريق نشر الصيغة بشكلٍ عامّ، وتعميم الرسالة [العمليّة] بشكلٍ عامّ، وبيان الأحكام بنحو كلّي، لن يُغلق ذلك الجانب الواقعيّ والحقيقيّ.
بناءً على ذلك، فإنّ ما كلّف به الله كلّ فردٍ بمقتضى بصيرته وشعوره وشاكلته ليس إلاّ أمرًا واحدًا، وهو الشريعة التي توصله إلى الواقع، والسلام! وفي هذا الأمر، توجد الصلاة، والصوم، والحجّ، والزكاة، وصلاة الليل، وبرّ الوالدين، والصدقات، والإنفاق، والأذكار والأوراد.
انظروا إلى أمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول في عهده لمالك الأشتر: «احكم بين الناس، واتّخذ لنفسك خلوة!».۱ لقد وضع عليه السلام في رسالة وأمرٍ واحد موضوعين جنبًا إلى جنب، ولم يقل له: «اذهب واعمل بتلك الأوامر؛ فمتى شئت فاعمل بها، ومتى شئت فلا تعمل بها!». كلاّ! [بل على العكس] أنت يا مالك الأشتر، يجب أن تضع هذا في مقابل ذاك؛ فإن لم [تضعه]، فأنت مسؤول غدًا (يوم القيامة)، حيث سيوقفك الله تعالى [ويقول]: «لقد كان لديك عليٌّ، فلماذا لم تستفد منه؟!». «لقد كان لديك عليٌّ، فلماذا أهملت؟! لقد كان لديك عليّ، فلماذا لم تُنفّذ ذلك الأمر؟!». وهل الأمر هو الصلاة والصوم فقط؟! بل كلّ هذه أوامر، وكلّ شخصٍ مسؤولٌ بمقدار ما يُقصّر ويتكاسل.
سبب وجود الاختلاف في الأوامر الشرعيّة والسلوكيّة لمختلف الأفراد
حينئذ، من الذي يجب أن يعطي هذه [الأوامر] وهي أوامر كلّيّة؟ فهل يُمكنني أن أذهب إلى الصيدليّة وآخذ أيّ دواء؟! لا أستطيع. هو يجب أن يقول: «اذهب وخذ ذلك الدواء. لا تقم بذلك [العمل]؛ ذاك [الدواء] مضرٌّ لك، وهذا [الدواء] واجبٌ عليك!». كذلك العمل بالأوامر الشرعيّة يجب أن يكون على أساس أمر ونظر الوليّ المرشد ووليّ الله، وإلاّ فلا فائدة منه، بحيث يتعيّن على كلّ شخصٍ أن يتحرّك على أساس البصيرة والارتباط اللذين وضعهما الله تعالى في وليّه. العوامّ معذورون لأنّهم لا بصيرة لهم؛ أمّا أنا وأنت الذين [لدينا تلك البصيرة]، فلن نكون معذورين بعد الآن! إذن ليس لدينا إلاّ طريقٌ واحد.
- نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص ٤٤۰:
«وَأَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا فِيهِ، وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ [تَعَالَى] أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ وَأَجْزَل».
- نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص ٤٤۰:
