
الشعور والإدراك في جميع الموجودات وارتباطها بالله تعالى
وحدة الوجود وترابط العالم
هل للجمادات شعور وإدراك؟ ولماذا لا نفهم لغة سائر الكائنات؟ ما هي حقيقة وحدة الوجود التي يتحدّث عنها العرفاء، وكيف يرتبط نظام العالم كلّه بالله ارتباطًا تكوينيًّا مباشرًا؟ تجيبك هذه المحاضرة الثالثة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في ضمن سلسلة محاضرات عن الولاية التكوينيّة عن هذه الأسئلة، وتكشف لك عن أسرارٍ من عالم التكوين.
الشعور والإدراك في جميع الموجودات وارتباطها بالله تعالى
3وحدة وجود العالم وعدم إدراك الجهّال لها
ذات مرّة، كنت في خدمة أحد الأعاظم، وجرى الحديث عن مسألة وحدة الوجود۱ وحدة الوجود هذه التي يُنكرها الكثيرون! فدار الحديث حول أنّ البعض قد ألّفوا كُتبًا [حول وحدة الوجود] وهم يدّعون الفضل والعلم والإدراك. وفي مشهد [أيضًا]، كتب أفرادٌ من هؤلاء الجهلة كُتبًا حول [وحدة الوجود]، وردّوها؛ في حين أنّهم لم يشمّوا رائحة هذه المسائل! وكان هذا الكتاب أمامنا ونحن نُقلّب صفحاته. فالتفت إليّ ذلك الرجل العظيم، وقال: «هل قرأت هذا الكتاب؟» قلت: «نعم، قرأته». قال: «وكيف وجدته؟». قلت: «إنّ مطالعة هذا الكتاب جيّدة جدًا لما بعد الطعام! فإذا تناول الإنسان طعامًا ثقيلاً، فإنّه يضحك قليلاً، ممّا يساعد على هضم الطعام!». فهذا اصطلاحي الخاصّ، حيث أقول عن بعض الكتب التي أقرأها: «تُساعد على هضم الطعام!». وكان ذلك الكتاب من هذا القبيل. ثمّ وقفنا عند صفحةٍ كان قد بحث فيها ذلك الكاتب مسألة وحدة الوجود وأفاض بالدُرر، الأمر الذي أثار بعض التسلية والضحك!
أشرت بالأمس إلى أنّه حينما ينهق الحمار، فإنّه يسبّح الله٢؛ ثمّ نقول نحن: «إنّه لا يفهم مثل الحمار!». [في حين أنّ] الآية الشريفة تقول: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾٣. أُقسم بحياتي وحياتكم، إنّ القضيّة حقًّا وصدقًا هي أنّ ذلك الحمار قد أدرك وحدة الوجود، ولكنّ هذا الجاهل لم يُدرك هذه القضيّة بعد!
عدم وجود التناقض في مشاهدات العرفاء دليلٌ على وحدة الوجود
وخلاصة القول، عندما طالعنا تلك الصفحة، قال سماحته:
«إنّ أفضل دليل على مسألة وحدة الوجود هو أنّنا: نجد أنّ جميع أولياء الله والأفراد الذين تعرّضوا لهذه المسألة، تحدّثوا عن مسألة وقضيّة واحدة، فلا نشعر بأيّ تفاوت بين إدراكاتهم أثناء مشاهداتهم».
يعني: عندما يقول [أحد الأعاظم]: «لقد توصّلنا إلى المسألة الفلانيّة»، ويُخبر شخصٌ [عظيم] آخر عن هذه المسألة، فإنّنا نرى أنّ كليهما يتحدّثان عن الموضوع نفسه، من دون أن يوجد أيّ تفاوت في النقل. نعم، هناك مسألة أخرى، وهي أنّه من الممكن أن يكون ذلك الشخص الآخر قد أدرك ما هو أسمى منه؛ ولكن، في تلك المرحلة التي أدركها هو، نرى أنّ الآخر يقول الشيء نفسه.
- لنتحدّث عن مسألة «وحدة الوجود» على سبيل الإجمال فقط؛ لأنَّ شرحها وتوضيحها لا يتناسب مع هذا المجلس والمحفل. فهي تُعدّ من المسائل الفلسفيّة، بل هي أهمّ مسألة فلسفية. وبعبارة أخرى، يُمكننا أن نقول: «في كلّ عالم الوجود، فإنّ وجود واحد فقط هو الحاكم، والوجودات المتعدّدة التي نراها في قوالب متعدّدة هي مجرّد قوالب؛ وأصلها وحقيقتها واحد فقط»؛ هذا هو موجز القضيّة.
- راجع الجلسة ٢ من هذه السلسلة.
- سورة الأعراف، الآية ۱۷٩.
