
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم
تُركّز هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه على الجانب التربويّ والأخلاقيّ لطلاّب العلوم الدينيّة، حيث تُبيّن خطورة العلم بدون إخلاص، وتُؤكد على ضرورة الإتقان في التحصيل العلميّ، وحلّ الإشكالات وعدم تركها مُعلَّقةً، مع الاستشهاد بسيرة العلماء؛ كما أنّها تُجيب عن تساؤلات أخرى؛ نظير: كيف يجب أن يتعامل طالب العلم مع الإشكالات العلميّة في درسه؟ ما هي اللذّة الحقيقيّة للعلم؟ لتُؤكد أنّ للعلم آثارًا وجوديّة تتجاوز مجرّد المعرفة السطحيّة.
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
8رحمَ اللهُ المرحومَ الشّيخَ النّوريَّ، والّذي كان رفيقًا لـ «المرحومِ العلامةِ الطهرانيّ» وشريكَهُ في الغرفةِ. كان يقصُّ علينا قائلاً: اقترب عيدُ الأضحى، فذهبنا واشترينا خروفًا ليلعبَ به الأطفالُ بضعةَ أيّامٍ قبل أن نذبحَهُ. وعندما عُدنا إلى المنزلِ، تفاجأنا بأنّ الخروفَ أعورٌ! عجبًا! هذا الخروفُ بعينٍ واحدةٍ. فأخذنا الخروفَ وعدنا به إلى البائعِ وقلنا له: يا هذا، إنّ الخروفَ الّذي بعتَهُ لنا أعورٌ! فأجابنا: وهل تريدونه أن يقرأَ لكم دعاءَ كُميلٍ؟! إنّه أعورٌ وكفى، ألستم تريدون اللّعبَ به لعدّةِ أيّامٍ ثمّ تذبحونه! فما ضيرُ أن يكونَ أعورَ، وهل تريدونه أن يقرأَ لكم دعاءَ كُميلٍ؟!
أمّا نحنُ، فقد وهبنا اللهُ عينًا، فبها انظرْ! وتأمّلْ ما الّذي يجري. ولقد وهبكَ أُذُنًا، فاسمعْ، واستمعْ للأمورِ. وكلُّ ما رأيتَهُ وسمعتَهُ، ضَعْهُ على مِحكِّ قلبِك وعقلِك، وزِنْهُ، واختبِرهُ، واعملْ وفقًا له. ولا تقلْ: وما شأننا نحن؟ ولا بدّ لأحدهم أن يفوزَ، ونختارُ السّيّئَ بدلاً من الأسوأِ، وما إلى ذلك من تبريراتٍ، فاللهُ سيُحاسبُنا! لا مجالَ لهذه التّبريراتِ، ﴿كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا﴾. ولهذا، قلتُ لهم إنّني لا أعرفُ أحدًا، لا هذا ولا ذاك، ولا أيًّا منهم. وما دمنا لا نملكُ اليقينَ، فلن نُقْدِمَ على عملٍ نتحمّلُ وِزرَهُ ووبالَهُ لاحقًا. هل رأيتم ما الّذي حدث؟ هل فهمتم الآن؟ حسنًا، أين أولئكَ الّذين ذهبوا، وأولئكَ الّذين كانوا يدّعونَ الإخبارَ عن النّفوسِ والقلوبِ، ورؤيةَ النّورِ والظّلمةِ في الأفرادِ! كيف عجزوا عن تشخيصِ الظّلماتِ؟ بماذا سيُجيبونَ الآنَ؟ لقد آلتِ الأمورُ إلى ما ترونَ! أمّا نحنُ، فماذا فعلنا؟ لقد عملنا وفقَ عِلمِنا واطّلاعِنا ومعرفتِنا بمنهجِ العظماءِ ومسارِهِم.
بعث لي أحدُ الأصدقاءِ من الرّفقاءِ برسالةٍ، فقد كان لدينا هواتفُ محمولةٌ آنذاك، يسألني: ما هو رأيُك؟ ولمن نُصوّتُ؟ وعلى سبيلِ الفرضِ، أيًّا من هؤلاءِ الأربعةِ نختارُ؟ فأجبتُهُ:
می خور که شیخ و حافظ و مفتی و محتسب *** چون نیک بنگری همه تزویر میکنند [يقول] اشرب الخمر فإنّ الشّيخَ والحافظَ والمفتي والمحتسبَ *** كلّهم يُمارسون التّزويرَ إن أمعنتَ النّظرَز
وبالمناسبةِ، لقد تبيّن أنّ الأربعةَ كذلك!
بكلِّ بساطةٍ! وبعد أن وقعت تلك الأحداثُ والمسائلُ، قال لي: رحمَ اللهُ والدَك، لقد أرحتَنا. فلو أنّني أقدمتُ على شيءٍ آنذاك، لكنتُ أُعاني الآنَ من عذابِ الضّميرِ حيرانًا فيما يجبُ عليّ فعلُهُ إزاءَ هذه المسائلِ.
