
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم
تُركّز هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه على الجانب التربويّ والأخلاقيّ لطلاّب العلوم الدينيّة، حيث تُبيّن خطورة العلم بدون إخلاص، وتُؤكد على ضرورة الإتقان في التحصيل العلميّ، وحلّ الإشكالات وعدم تركها مُعلَّقةً، مع الاستشهاد بسيرة العلماء؛ كما أنّها تُجيب عن تساؤلات أخرى؛ نظير: كيف يجب أن يتعامل طالب العلم مع الإشكالات العلميّة في درسه؟ ما هي اللذّة الحقيقيّة للعلم؟ لتُؤكد أنّ للعلم آثارًا وجوديّة تتجاوز مجرّد المعرفة السطحيّة.
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
7حسنًا، ما الّذي يُمكِنُ أن يقفَ في وجهِ هذه المسألةِ؟ وما هو السّلاحُ الّذي يُمكنُ إشهارُهُ في وجهِ هذا التّيّارِ؟ ما لم أكن عالِمًا بأنّ البواطنَ النّفسانيّةَ للشّخصِ يُمكنُ أن تكونَ هي نفسُها الموَلِّدةَ للمكاشفاتِ والشّهوداتِ في مقامِ العلّيّةِ، فتُصوّرُ له الأمرَ بشكلٍ وصورةٍ مختلفةٍ؛ ما لم أمتلكْ هذا العلمَ، فكيف لي أن أنجوَ من شِباكِ إبليسَ وحبائلِهِ؟ لا سبيلَ لذلك! وسنقعُ نحن أيضًا في الفخِّ. حسنًا، من أين تأتي هذه النّجاةُ من الشّيطانِ؟ إنّها تأتي من خلالِ الاطّلاعِ والمعرفةِ.
ثمّ ترونَ الشّخصَ بعد مرورِ فترةٍ من الزّمنِ يقولُ: عجبًا! لقد خُدِعنا، عجبًا، لقد مرّت عشرُ سنواتٍ، ثماني عشرةَ سنةً، عشرونَ سنةً! عجبًا! عجبًا! كلّ هذا بسببِ عدمِ اطّلاعِ الإنسانِ وجهلِهِ بتلك الرُّموزِ، ممّا يوقعُهُ في هذه القضايا، فيُهدِرُ خمسةَ عشرَ عامًا من عمرِهِ، أو سبعةَ عشرَ عامًا هائمًا متحيّرًا كالمخمورِ، يتخبّطُ في حياتِهِ يمنةً ويسرةً، وهكذا دواليك في سائرِ المسائلِ.
مسؤوليّةُ الإنسانِ تجاهَ ما يعلمُهُ
جاءوا وسألونا: لمن نصوّتُ في تلك الأحداثِ الّتي وقعت في السّنواتِ القليلةِ الماضيةِ؟ فأجبتُهم بأنّ تكليفنا واعتقادنا وما أمرنا به عظماؤنا يرتكزُ على قولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا﴾۱ لا أقولُ إنّه يجبُ أن يكونَ لدينا علمُ الغيبِ؛ بل يجبُ أن نعملَ بناءً على ما نعلمُهُ ونطّلعُ عليهِ، فعلمُ الغيبِ يخصُّ فئةً محدّدةً. فالآيةُ القرآنيّةُ تأمرُنا بعدمِ الخوضِ فيما لا علمَ ولا يقينَ لنا به، ﴿وَلَا تَقفُ﴾ تعني: لا تضعْ قدمَك، لا تتّبعْ، قِفْ، واحْتَطْ، ﴿وَلَا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِۦ عِلمٌ إِنَّ ٱلسَّمعَ وَٱلبَصَرَ وَٱلفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـٰٓئِكَ كَانَ عَنهُ مَسولٗا﴾. لقد وهبناكَ عينًا فرأيتَ بها بعضَ الأمورِ، فلماذا تُغمِضُها؟ افتَحْها! لقد وهبناكَ أُذُنًا، وعندما سمعتَ هذا الرّجلَ يكذبُ، ورأيتَهُ بعينِك في ذلك المقطعِ المصوّرِ يكذبُ، فلماذا تُريدُ التّصويتَ له؟! ﴿إِنَّ ٱلسَّمعَ وَٱلبَصَرَ وَٱلفُؤَادَ﴾، والفؤادُ هو العقلُ والقلبُ والفكرُ. لقد رأتْ عيناكَ أنّه يقولُ هذا الكلامَ الآنَ، ثمّ يُنكرُهُ لاحقًا، فهو إذن كاذبٌ، وأُذُناكَ قد سمعتا ذلك، فلماذا تريدُ التّصويتَ له؟ يقولونَ: نحن لا شأن لنا بهذه الأمورِ! لا شأن لك؟ غدًا سيُحاسبك اللهُ، فلماذا لا شأن لك؟ إذن لماذا وهبكَ اللهُ العينَ؟ لقد وهبكَ إيّاها لِتُبصِرَ بها. فالخروفُ، سواءٌ أكان يملكُ عينًا أم لا، فإنّهم يذبحونَه ويأكلونه.
- سورة الإسراء، الآية ٣٦ز
