
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم
تُركّز هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه على الجانب التربويّ والأخلاقيّ لطلاّب العلوم الدينيّة، حيث تُبيّن خطورة العلم بدون إخلاص، وتُؤكد على ضرورة الإتقان في التحصيل العلميّ، وحلّ الإشكالات وعدم تركها مُعلَّقةً، مع الاستشهاد بسيرة العلماء؛ كما أنّها تُجيب عن تساؤلات أخرى؛ نظير: كيف يجب أن يتعامل طالب العلم مع الإشكالات العلميّة في درسه؟ ما هي اللذّة الحقيقيّة للعلم؟ لتُؤكد أنّ للعلم آثارًا وجوديّة تتجاوز مجرّد المعرفة السطحيّة.
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
6وفي هذه المسألةِ بالذّاتِ، وفي ذلك الوقتِ، جاءنا أناسٌ وقالوا: يجبُ أن تذهبوا إلى فلانٍ، وهو رجلٌ في إحدى المدنِ. فقلتُ لهم: إنّني لستُ متساهلاً ولا لامباليًا في المسائلِ الاعتقاديّةِ إلى هذا الحدِّ، بحيث أتبعُ أيًّا كان بمجرّدِ أن يقولَ شيئًا. فقالوا: كلاّ! إنّ هذا الرّجلَ يُخبرُ عن النّفوسِ! فقلتُ: حتّى وإن أخبرَ عنها، فهل تقتصرُ موانعُ الطّريقِ وحبائلُ الشّيطانِ وشباكُهُ على هذا الحدِّ، بحيث إنِ اطّلع إنسانٌ على خبايا نفسٍ ما، نجا منها؟ إن كان الأمرُ كذلك، فحسنًا، تكونُ حدودُ الشّيطانِ وخطوطُهُ الحمراءُ الّتي لا يمكنُهُ تجاوزها عند هذا الحدِّ؛ أي تقفُ عند هذه المشاهداتِ والمكاشفاتِ. وعليه، فإن كان لدى إنسانٍ مشاهدةٌ أو مكاشفةٌ، واستطاعَ الاطّلاعَ على نفسِ شخصٍ ما، فإنّه يأمنُ بذلك من تلاعبِ الشّيطانِ. لو كان الأمرُ يقفُ عند هذا الحدِّ، لقَبِلنا وسلّمنا، وقلنا تفضّلوا، نحن في خدمتِكم ومخلصونَ لكم، وسنقبلُ بكلِّ ما تأمرونَ به وتقولونه.
أمّا إذا توصّلنا بالعلمِ والاطّلاعِ إلى أنّ المكاشفاتِ ليست سوى العتبةِ الأولى من شباكِ الشّيطانِ وحبائلِهِ، فكم له من درجاتٍ ومراتبَ لا حصرَ لها! إنّ ذلك الّذي يمتلكُ بصيرةً نافذةً ويستطيعُ بعينِ باطنِهِ اختراقَ هذه المراتبِ وتجاوزها، يُشبهُ في عملِهِ أشعّةَ التّصويرِ. هل رأيتم الأشعّةَ الرّاديوأكتيڤيّةَ (Radioactive) ماذا تفعلُ؟ إنّها تخترقُ الثّيابَ والملابسَ الدّاخليّةَ والجلدَ وكلّ شيءٍ، لتلتقطَ صورةً للمعدةِ. تخترقُ هذه الطّبقاتِ كلّها لتقولَ لك: توجدُ قرحةٌ في المعدةِ، أو أنّ المشكلةَ هي كذا. إنّ ذلك الّذي يستطيعُ اختراقَ هذه الطّبقاتِ، فإنّ طبقتَهُ الأولى هي المكاشفاتُ، فماذا عن الباقي؟ إنّ الشّيطانَ لا يقفُ عند مرتبةِ المكاشفةِ ليُقالَ إنّ هذا الشّخصَ من أهلِ الكشفِ، وقد تجاوز هذه الأمورَ واطّلع على خبايا البواطنِ وما تخفيه النّفوسُ، والّذي يكونُ سببًا في ظهورِ المكاشفةِ. هذا إن كانتِ المكاشفةُ صادقةً؛ فقد كانوا يروّجونَ لنا مكاشفاتٍ مزيّفةً أيضًا. هذا إن كانت صادقةً.
العلمُ طريقُ النّجاةِ من حبائلِ الشّيطانِ
لقد قرأتم نهايةَ الجزءِ الثّاني من كتابِ (أسرارِ الملكوتِ)، وقد ذكرتُ ذلك هناك؛ إذ لم يكن لديّ خيارٌ سوى أن أبيّنَ إلى أيِّ مدى تطاول هؤلاءِ المحتالونَ باسمِ مدرسةِ «المرحومِ العلامةِ الطهرانيّ»، وما هي الأكاذيبُ الّتي لفّقوها؟ يقولُ لي ذلك الشّخصُ: لا بأس بنسبةِ أيِّ شيءٍ تراه صحيحًا إلى العلامةِ! ما شاء اللهُ، وعلى الإسلامِ السّلامُ! عندما يقولُ لي هذا الكلامَ، فتخيّلوا ماذا قال للنّاسِ؟! وتخيّلوا ما هي الأكاذيبُ والأمورُ الأخرى الّتي لفّقها وروّجها؟!
