
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم
تُركّز هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه على الجانب التربويّ والأخلاقيّ لطلاّب العلوم الدينيّة، حيث تُبيّن خطورة العلم بدون إخلاص، وتُؤكد على ضرورة الإتقان في التحصيل العلميّ، وحلّ الإشكالات وعدم تركها مُعلَّقةً، مع الاستشهاد بسيرة العلماء؛ كما أنّها تُجيب عن تساؤلات أخرى؛ نظير: كيف يجب أن يتعامل طالب العلم مع الإشكالات العلميّة في درسه؟ ما هي اللذّة الحقيقيّة للعلم؟ لتُؤكد أنّ للعلم آثارًا وجوديّة تتجاوز مجرّد المعرفة السطحيّة.
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
5انقُلوا أنتم الآنَ قضيّةً ما، كأن تنقلوا هذا الكلامَ الّذي أقولُهُ الآنَ. دعوا أجهزةَ التّسجيلِ هذه جانبًا، واذهبوا غدًا واشرحوا لرفقائِكم ما أقولُهُ الآنَ، رغم أنّه لم يمرَّ وقتٌ طويلٌ، لا شهرٌ ولا شهرانِ ولا ستّةٌ، بل في الدّقيقةِ نفسِها، ثمّ سجّلوا ما تنقلونه وقارنوه بما أقولُهُ أنا لتروا حجمَ الاختلافِ. لا بأس بذلك، فنحن لسنا معصومينَ. نحن نُخطئُ، ونغيّرُ الجُمَلَ، ونُقدّمُ المبتدأَ تارةً ونُؤخّرُ الخبرَ تارةً أخرى، ونزيدُ واوًا أو نُنقصها. ولهذا، ما هو مبنانا الأصوليُّ في الأساسِ؟ إنّ خبرَ الواحدِ بشكلٍ عامٍّ ليس حجّةً في الاعتقاديّاتِ إلّا إذا ثبتت قرائنُ قطعيّةٌ على صدورهِ وعلى نفسِ الكلماتِ ونسبةِ هذه الكلماتِ إلى المعصومِ عليه السّلام. حسنًا، ماذا فعل مبنانا هذا؟ لقد كان سببًا في التّصدّي لهذه المسألةِ والوقوفِ بوجهِ هذه القضيّةِ.
بعد مرورِ شهرينِ أو ثلاثةٍ على هذه القضيّةِ، التقيتُ شخصيًّا بذلك الرّجلِ الّذي نقل الخبرَ. فقلتُ له: لقد نُقل عنك أنّك تفضّلتَ بكذا وكذا. فأجابني: لم يكنِ الأمرُ بهذه الكيفيّةِ، بل كان كذا. فقلتُ له: تفضّل، إنّ هذا يختلفُ كاختلافِ الأرضِ عن السّماءِ عمّا نُقل! حسنًا انظروا، من أين جئتُ بهذا المبنى؟ إنّه ثمرةُ كتابِ (الرّسائلِ). عندما كنتُ أدرسُ (الرّسائلِ)، كان بإمكاني أن أُطالعَ لربعِ أو ثلثِ ساعةٍ كباقي الطّلّابِ، فلماذا كنتُ أُدقّقُ إلى هذا الحدِّ؟ لقد طالعنا بتلك الطّريقةِ آنذاك، لتستمرَّ الثّمارُ حتّى وصلت إلى هنا ونفعتنا في هذا الموقفِ؛ فهنا تجلّى تطبيقُها العمليُّ. وإلّا لوقعنا في الفخِّ كالباقينَ. هل فهمتم الآنَ لماذا ينفعُ هذا العلمُ ويأخذُ بيدِ الإنسانِ؟
والآن، وبعد مرورِ عشرينَ عامًا، يقولونَ: لقد أخطأنا. حسنًا يا عزيزي! لماذا بعد مرورِ عشرينَ عامًا؟! يقولونَ: لم يكنِ الأمرُ كذلك، ولم تكن هذه الأمورُ صحيحةً، وكذا وكذا! ولندع جانبًا ما هي تلك المسائلُ، وما هي الأكاذيبُ الّتي روّجوها بين النّاسِ آنذاك؟ لا شأن لنا بذلك. هذه القضيّةُ الحيّةُ والماثلةُ أمامنا، وهذا الكلامُ الّذي نُقل عن عبدِ اللهِ هذا. حقًّا إنّ الإنسانَ لا يملكُ إلّا أن يلوذَ باللهِ تعجّبًا! كيف تقولُ لي هذا بالأمسِ، ثمّ تأتي اليومَ وتقولُ كذا؟ عجبًا! بالأمسِ قلتَ لي ذلك، واليومَ نراك تطرحُ القضيّةَ بشكلٍ ولونٍ آخرَ.
