
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم
تُركّز هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه على الجانب التربويّ والأخلاقيّ لطلاّب العلوم الدينيّة، حيث تُبيّن خطورة العلم بدون إخلاص، وتُؤكد على ضرورة الإتقان في التحصيل العلميّ، وحلّ الإشكالات وعدم تركها مُعلَّقةً، مع الاستشهاد بسيرة العلماء؛ كما أنّها تُجيب عن تساؤلات أخرى؛ نظير: كيف يجب أن يتعامل طالب العلم مع الإشكالات العلميّة في درسه؟ ما هي اللذّة الحقيقيّة للعلم؟ لتُؤكد أنّ للعلم آثارًا وجوديّة تتجاوز مجرّد المعرفة السطحيّة.
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
4كيفيّةُ مطالعةِ كتابِ (الرّسائلِ) من قِبلِ المؤلّفِ
أذكرُ أنّه في أيّامِ دراستنا لكتابِ (الرّسائلِ)، كان الجميعُ، على سبيلِ الفرضِ، يطالعونَ الدّرسَ لنصفِ ساعةٍ أو ثلاثةِ أرباعِ السّاعةِ، ثمّ يُغلقونَ الكتابَ ليحضروا الدّرسَ في اليومِ التّالي. أمّا أنا، فكانت مطالعةُ كلِّ درسٍ من (الرّسائلِ) تستغرقُ منّي ثلاثَ ساعاتٍ، ثلاثَ ساعاتٍ! أي لم يكنِ الوقتُ يقلُّ عن ذلك؛ فكنتُ أراجعُ هذه الحاشيةَ وتلك، كحاشيةِ الشّيخِ موسى، وهناك حاشيةٌ أخرى ضخمةٌ جدًّا لكتابِ (الرّسائلِ)، وهي حاشيةُ الآشتيانيّ الّتي تُعدُّ أصعبَ من (الرّسائلِ) نفسِهِ، فهي حاشيةٌ غليظةٌ وكبيرةٌ ذاتُ قطعٍ رَحليٍّ. لم أكن أُغلقُ كتابَ (الرّسائلِ) حتّى أقرأ هذه الحاشيةَ حتّى السّطرِ الأخيرِ. كان لزامًا عليَّ قراءتُها. وكانت هناك حواشٍ أخرى كحاشيةِ رحمة الله الّتي كانت بسيطةً وعاديّةً جدًّا، وحاشيةِ (أوثقِ الوسائلِ) للشّيخِ موسى التّبريزيِّ والّتي كانت حاشيةً جيّدةً. كنتُ أُطالعُ كثيرًا، وكنّا نتباحثُ في كتابِ (الرّسائلِ) ضمنَ مجموعةٍ مكوّنةٍ من ثلاثةِ أو أربعةِ أشخاصٍ. وحسنًا، عندما كنّا نبدأُ المباحثةَ، كنتُ أُثيرُ إشكالاتٍ أكثرَ، وأطرحُ العديدَ من الأمورِ الّتي لم تُطرح حتّى في الدّرسِ، وباختصارٍ، كنتُ أتوسّعُ في النّقاشِ. فكان شركائي في المباحثةِ يقولونَ: ما الخطبُ؟ لقد بالغتَ جدًّا في نقاشِك، فهذه الأمورُ لم تعد ضروريّةً! فكنتُ أُجيبهم: ستفهمونَ ذلك لاحقًا.
نموذجٌ من نتائجِ الدّراسةِ الصّحيحةِ
مضت هذه الأيّامُ، حتّى واجهنا فجأةً بعد وفاةِ «المرحومِ العلامةِ الطهرانيّ» خبرًا واحدًا. خبرٌ واحدٌ يفيدُ، على سبيلِ الفرضِ، بأنّ فلانًا هو الخَلَفُ بعد «المرحومِ العلامةِ». حسنًا، الشّخصُ النّاقلُ ثقةٌ ومحطُّ اهتمامِ النّاسِ ولا يكذبُ، فماذا سيفعلُ أيُّ إنسانٍ في هذا الموقفِ؟ سيقولُ: إنّه يصدقُ. فالرّجلُ ثقةٌ، وقد انتقل إلى رحمةِ اللهِ، رحمهُ اللهُ، وهو شخصيّةٌ مرموقةٌ وليس لديه دافعٌ للكذبِ. حسنًا، ماذا سيقولُ أيُّ إنسانٍ؟ سيقولُ: لقد حُسمتِ المسألةُ، وهذه هي المقدّماتُ وهذه هي النّتيجةُ، وانتهى الأمرُ. وبمجرّدِ أن نقلوا لي المسألةَ، قلتُ: «خبرُ الواحدِ في الاعتقاديّاتِ ليس بحجّةٍ». فثاروا فجأةً وكأنّ زوبعةً قد قامت! قلتُ لهم إنّ خبرَ الواحدِ في الاعتقاديّاتِ ليس بحجّةٍ. فإذا لم يكنِ الخبرُ متواترًا، فيجبُ على الأقلِّ أن يكونَ مستفيضًا أو قطعيَّ الصّدورِ. فرغم أنّ هذا الشّخصَ ثقةٌ، ورحمهُ اللهُ ـ وكان بالطّبعِ حيًّا آنذاك ورحمهُ اللهُ ـ وليس بمعاندٍ، ولكن ألا يخطئُ؟ إنّ المعصومينَ الأربعةَ عشرَ عليهم السّلام هم وحدهم المبرّؤونَ من الخطأِ، فماذا عن البقيّةِ؟ أنا نفسي أُخطئُ.
