
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم
تُركّز هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه على الجانب التربويّ والأخلاقيّ لطلاّب العلوم الدينيّة، حيث تُبيّن خطورة العلم بدون إخلاص، وتُؤكد على ضرورة الإتقان في التحصيل العلميّ، وحلّ الإشكالات وعدم تركها مُعلَّقةً، مع الاستشهاد بسيرة العلماء؛ كما أنّها تُجيب عن تساؤلات أخرى؛ نظير: كيف يجب أن يتعامل طالب العلم مع الإشكالات العلميّة في درسه؟ ما هي اللذّة الحقيقيّة للعلم؟ لتُؤكد أنّ للعلم آثارًا وجوديّة تتجاوز مجرّد المعرفة السطحيّة.
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
3لزومُ الإتقانِ في التّحصيلِ
كنّا البارحةَ في مكانٍ ما مع شخصينِ أو ثلاثةٍ، وكنتُ أُوضّحُ لهم هذه المسألةَ متطرّقًا إلى ضرورةِ الإتقانِ في الدّرسِ والعمقِ في المطالعةِ والبحثِ. وقلتُ لهم: انظروا، لقد كان «المرحومُ الوالدُ العلامةُ الطهرانيّ» عالِمًا، ومجتهدًا، وفيلسوفًا، وعارفًا، ومفسّرًا، وهو رجلٌ يُمكنُ القولُ ـ بحسبِ اعتقادي ـ إنّه كان الأعلمَ بين علماءِ عصرِهِ من حيثُ العلومِ الظّاهريّةِ. ولهذا، ليس غريبًا إن جاء وأكّد على العلمِ والدّرسِ والبحثِ؛ فالأمرُ أشبهُ بأن أطلبَ أنا منكم أيضًا أن تدرسوا جيّدًا، وتدقّقوا، وتباحثوا، وتُنجزوا بحوثَكم بإتقانٍ، ولا تتجاوزوا مسألةً حتّى تنضجَ في أذهانكم، ولا تتقدّموا في الدّرسِ وفي ذهنكم سؤالٌ عالقٌ. بل ويجبُ أن يُحلّلَ الدّرسُ الّذي تأخذونه اليومَ تحليلاً تامًّا، بحيث إن وضعتم رؤوسَكم على الوسادةِ ليلاً، لم يبقَ في أذهانِكم أيُّ سؤالٍ، فتنامونَ براحةٍ.
في تلك الأيّامِ الّتي كنّا ندرسُ فيها مرحلةَ السّطوحِ وما شابهَها، لو بقي عندي سؤالٌ واحدٌ في إحدى اللّيالي، لم يكن ليغمضَ لي جفنٌ حتّى الصّباحِ من شدّةِ القلقِ بسببِ عدمِ حلِّ هذا السّؤالِ، وكنتُ أتساءلُ: لماذا لم يُحلّ سؤالي؟ ولماذا بقيت هذه القضيّةُ معلّقةً هنا هكذا؟ فكنتُ أتقلّبُ في فراشي لساعتينِ أو ثلاثٍ لا أذوقُ طعمَ النّومِ. أمّا في اللّيالي الّتي لم يكن لديّ فيها سؤالٌ، ومرّ الدّرسُ بلا إبهامٍ، فكنتُ أنامُ نومًا هنيئًا وكأنّني أُحلّقُ في السّماءِ فرحًا بأنّه لا يوجد لديّ سؤالٌ أو إشكالٌ في تلك اللّيلةِ. هكذا كنّا مثلاً أيّام دراسةِ كتبِ (المطوّل) و(الرّسائل) و(اللّمعة) وغيرها. وكنتُ أتذكّرُ كلامَ المرحومِ الخواجة نصير الدّين الطّوسيّ، والّذي كان رجلاً من العظماءِ حقًّا! وأظنّ أنّ كلامَهُ هذا ورد في كتابِ (آداب المتعلّمين) بحسبِ ما أذكرُ. فقد قرأنا هذا الكتابَ في بدايةِ دراستنا الحوزويّةِ على يدِ «المرحومِ العلامةِ الطهرانيّ»، وهو كُتيّبٌ مفيدٌ جدًّا كان يوصي الجميعَ بقراءتِهِ. أظنّ أنّه يذكرُ هناك أنّه كلّما حُلّت له معضلةٌ علميّةٌ كان يهتفُ من شدّةِ الفرحِ: «أينَ أبناءُ الملوکِ مِن هذه اللّذّةِ؟!»، فأين هؤلاءِ الملوكُ الّذين يتوهّمون أنّهم ملكوا العالَمَ وفتحوهُ، وشيّدوا القصورَ وزرعوا البساتينَ، ويظنّونَ أنّهم حازوا على ملذّاتِ الدّنيا، أين هم ليأتوا ويروا أيَّ مُلْكٍ أعيشُ فيه الآنَ، وفي أيِّ سلطنةٍ أتقلّبُ؟ إنّني لستُ مستعدًّا لاستبدالِ هذه الفرحةِ والمسَرّةِ الّتي غمرتني باكتشافِ مسألةٍ علميّةٍ بكلِّ ممالكهم! حسنًا، يتبيّنُ من هذا أنّ هذا الرّجلَ العظيمَ قد وصل حقًّا إلى حقيقةِ العلمِ وجوهرِهِ، وأدرك الآثارَ الّتي ستتمخّضُ عن هذه الحقيقةِ المكتشفةِ. فالأمرُ لا يقتصرُ على كونِها مسألةً علميّةً فحسب، بل تترتّبُ عليها قضايا وأمورٌ أخرى.
