
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم
تُركّز هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه على الجانب التربويّ والأخلاقيّ لطلاّب العلوم الدينيّة، حيث تُبيّن خطورة العلم بدون إخلاص، وتُؤكد على ضرورة الإتقان في التحصيل العلميّ، وحلّ الإشكالات وعدم تركها مُعلَّقةً، مع الاستشهاد بسيرة العلماء؛ كما أنّها تُجيب عن تساؤلات أخرى؛ نظير: كيف يجب أن يتعامل طالب العلم مع الإشكالات العلميّة في درسه؟ ما هي اللذّة الحقيقيّة للعلم؟ لتُؤكد أنّ للعلم آثارًا وجوديّة تتجاوز مجرّد المعرفة السطحيّة.
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
13حسنًا، حتّى لو ظهر الإمامُ المهديُّ عجّل الله فرجه الآنَ، فسيكونُ الأمرُ كذلك. "لقد ظهر الإمامُ المهديُّ!" ضجيجٌ وصخبٌ وجلبةٌ وما إلى ذلك! حسنًا، لقد ظهر وانتهى، فماذا ينبغي لي أن أفعلَ؟ هل ألطمُ على رأسي؟ أم أقفزُ في الهواءِ؟ أم أرفسُ كالدّوابِّ؟ إنّ هذه أفعالُ القردةِ. فماذا أفعلُ أنا؟ حسنًا، لقد ظهر الإمامُ المهديُّ، فنقومُ إجلالاً واحترامًا، ونقولِ: «تفضّل يا بن رسولِ اللهِ، ماذا تأمرُنا أن نفعلَ؟» أمّا قولُكم: «تراجعْ إلى الوراءِ» وكذا وكذا، فما هي إلّا ظواهرُ فارغةٌ.
أخبرني أحدُ الأصدقاءِ من الرّفقاءِ أنّه ذهب بالقربِ من مسجدِ فاطميّ حيث كان المرحومُ الشّيخُ بهجت يُقيمُ الصّلاةَ. قال: «ذهبتُ إلى هناك، وكان النّاسُ قد تجمهروا بأعدادٍ غفيرةٍ أمامَ منزلِهِ بانتظارِ خروجِهِ إلى المسجدِ، فالجميعُ، رجالاً ونساءً، يُريدونَ رؤيتَهُ ومعرفةَ شكلِهِ وهيئتِهِ. وبينما هم منشغلونَ بالنّظرِ إليه عند خروجِهِ، جاء أحدُ لاعبي كرةِ القدمِ ـ ولن أذكرَ اسمَهُ الآنَ، ولعلّه يسمعُ كلامنا ويفهم ـ جاء هو أيضًا لرؤيةِ الشّيخِ بهجت. فما كان من النّاسِ إلّا أن تركوا الشّيخَ بهجت والتفّوا حول هذا اللّاعبِ! ينظرونَ إليه ويُشيرونَ: فلانٌ قادم...» يا لك من مسكينٍ بائسٍ، تقطعُ كلّ هذه المسافةِ لترى هذا الشّيخَ، ثمّ تنشغلُ بلاعبِ كرةِ قدمٍ يركلُ الكرةَ نحو المرمى، فتُصيبُ أو تُخطئُ؟! يا عزيزي، هذه هي عقولُ النّاسِ! وهذا هو إيمانُهُم! تفضّلْ! إنّ معرفتَهُم وعقولَهُم وقدرتَهُم على التّمييزِ لا تُفرّقُ بين الشّيخِ بهجت ولاعبِ كرةِ قدمٍ، بل ويُفضّلونَ اللّاعبَ عليه! نعم يُفضّلونَهُ! فلو لم يُفضّلوهُ لما التفتوا إليه. والمسكينُ الشّيخُ بهجت يقولُ في نفسِهِ: «وا حسرتاه! بمن علّقتُ آمالي ممّن جاءوا لرؤيتي».
هنا ينبغي للإنسانِ أن يتفكّرَ: ما الّذي يجبُ أن نُغيّرَهُ هنا؟ وما هي القضيّةُ؟ ما الّذي يجبُ تغييره؟ وما هو التّغييرُ الّذي يجبُ أن نُحدِثَهُ في أنفسنا؟
لزومُ احترامِ السّالكِ إلى اللهِ للعلماءِ
من الأمورِ الّتي شعرتُ بضرورةِ التّأكيدِ عليها وتذكيرِ الرّفقاءِ بها، والّتي كان المرحومُ الوالدُ يُؤكّدُ عليها كثيرًا، هو احترامُ العلماءِ. كان يقولُ إنّه يجبُ على طالبِ العلمِ أن يحترمَ العلماءَ، ويُجلَّ عُظماءَهُم، وأولئك الّذين اتّصفوا بالصّدقِ والإخلاصِ والصّفاءِ. حتّى لو لم يكونوا عرفاءَ، فهل يُشترطُ أن يكونَ الجميعُ عرفاءَ؟ كلاّ! أولئك العظماءُ من أمثالِ الشّيخِ الصّدوقِ، والعلّامةِ الحلّيّ، والشّيخِ الأنصاريّ، والشّيخِ المفيدِ، والمحقّقِ الحلّيّ، والمحقّقِ الكركيّ، والشّيخِ البهائيّ، والمرحومِ صدرِ المتألّهينَ، والّذين لعلّ بعضهم قد طوى مراتبَ متقدّمةً في المعرفةِ. لا ينبغي للإنسانِ أن يُسيءَ الأدبَ مع هؤلاءِ، ولا أن يتفوّهَ بما يمسُّ مكانتَهُم، كأن يقولَ: «من هؤلاءِ! إنّهم لا يفقهونَ شيئًا!» وما إلى ذلك من العباراتِ الّتي لا تليقُ بشأنِ هؤلاءِ العظماءِ. نحن جميعًا نجلسُ على مائدتِهِم، ونستفيدُ من نِعَمِهِم، ونتنعّمُ بجهودِهِم. لا يصحُّ أن يأتي إنسانٌ ويقولَ: «هذا لم يكن يفقهُ شيئًا! إنّه لا يعلمُ شيئًا!» ما معنى «لم يكن يفقهُ شيئًا»؟! فأنت لا تساوي قلامةَ ظفرِهِ.
