
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم
تُركّز هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه على الجانب التربويّ والأخلاقيّ لطلاّب العلوم الدينيّة، حيث تُبيّن خطورة العلم بدون إخلاص، وتُؤكد على ضرورة الإتقان في التحصيل العلميّ، وحلّ الإشكالات وعدم تركها مُعلَّقةً، مع الاستشهاد بسيرة العلماء؛ كما أنّها تُجيب عن تساؤلات أخرى؛ نظير: كيف يجب أن يتعامل طالب العلم مع الإشكالات العلميّة في درسه؟ ما هي اللذّة الحقيقيّة للعلم؟ لتُؤكد أنّ للعلم آثارًا وجوديّة تتجاوز مجرّد المعرفة السطحيّة.
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
12ضرورةُ التّحرّكِ بناءً على اليقينِ في السّلوكِ
إنّ طريقَ اللهِ هو طريقُ الفهمِ والإدراكِ واليقينِ. فيجبُ أن يكونَ لدى الإنسانِ يقينٌ وإدراكٌ، ويجبُ أن يفهمَ المسألةَ. في زمانِ «المرحومِ العلامةِ الطهرانيّ»، عندما كان يهمُّ بالذّهابِ إلى مكانٍ ما، كان البعضُ يأتونَ ويُفرغونَ له الطّريقَ قائلينَ: «ابتعدوا، تراجعوا إلى الوراءِ، قفوا»، وكانوا يوقفونَ النّاسَ. من كانوا هؤلاءِ؟ كانوا مجرّدَ أتباعٍ وغوغاءَ! جميعهم كانوا كذلك. لم يكونوا يَرَوْنَ من العلامةِ سوى مظهرِهِ الخارجيِّ وهيئتِهِ؛ عمامةً، ولحيةً، وقامةً ممشوقةً، وهيبةً. فماذا رأَوْا أكثرَ من ذلك؟ وعندما حلّ الامتحانُ، وأسلم العلامةُ الرّوحَ إلى بارئِها، ماذا حلّ بهم؟ لقد ذهبوا جميعًا! أين ذهبوا؟
يأتيني رجلٌ يبلغُ من العمرِ ثمانينَ عامًا، بعد وفاةِ العلامةِ، ليقولَ لي: لقد أصبحتِ الأمورُ غريبةً جدًّا! وحدث كذا وكذا! كيف آلتِ الأوضاعُ إلى ما هي عليه! ـ وهو بهذا يُعرّضُ بي ـ ماذا حدث حتّى وصلنا إلى هذه الحالِ؟ فالتفتُّ إليه وقلتُ: نعم، نحن مستاؤونَ جدًّا، فقد فسدتِ الأمورُ، وتبدّلت، وحدثتِ انحرافاتٌ، وتغيّرت مسائلُ كثيرةٌ! فاستمرّ في ترديدِ: لقد حدث وحدث! فقلتُ له: حسنًا، ماذا تريدُ أن تقولَ؟ وما هو دليلك؟ نعم، أنا أيضًا أقولُ إنّها فسدت، فما هو مرادك؟ وماذا تريدُ أن تُثبتَ بكلامك هذا؟ أنا أعلمُ أيضًا أنّه قد حدثت أمورٌ كثيرةٌ، ووقعت حوادثُ، وتغيّرت وتبدّلت أشياءُ كثيرةٌ، ولم تعد مسائلُ كثيرةٌ في مكانِها الصّحيحِ، ولكن في النّهايةِ، ما هو كلامك؟ من هو المُقصّرُ في هذه القضيّةِ؟ ومن الّذي حاد عن هذا المسارِ؟ فأجابني: واللهِ لا أدري! فقلتُ له: إن كنتَ لا تدري، فلماذا جئتَ إلى هنا لتُضيّعَ وقتي؟ عندما تدري، تعال وتكلّم. أنا أعلمُ ما الّذي يُريدُ قولَهُ. فقلتُ له: حسنًا، بما أنّك لا تدري فاذهب، وعندما تدري تعال وتكلّم. والآن، عندما يراني في الشّارعِ، يُطأطئُ رأسَهُ ولا يُلقي السّلامَ، وعندما يراني في حرمِ الإمامِ الرّضا عليه السّلام، يُطأطئُ رأسَهُ ولا يُسلّمُ. هل هذا ما تعلّمتُموهُ من «المرحومِ العلامةِ»؟ أجبني!
هؤلاءِ هم أنفسُهم الّذين كانوا يُفرغونَ الطّريقَ ويصيحونَ: «تراجعوا، لقد جاء العلامةُ!». ولا أدري، هذا يُخبرُ ذاك بمجيئِهِ. لقد جاء وكفى! حسنًا، سيصعدُ ويجلسُ، ولا بأس في ذلك، فما الخطبُ؟ ما معنى أن تقولوا: تراجعوا وتقدّموا؟ عندما يأتي العلامةُ، فإنّ كلّ من يقفُ في طريقِهِ سيقومُ ويجلسُ جانبًا! لنر ما الأمرُ، وما الّذي حدث. ما هي كلّ هذه التّصرّفاتِ؟ إنّها كلّها ظواهرُ قشريّةٌ لا باطنَ لها ولا عُمقَ. كم تشرّبتم من أفكارِ العلامةِ؟ وكم رسخت عقائدُهُ في نفوسِكم؟ أمّا إفراغُ الطّريقِ فلا يحتاجُ إلى عناءٍ؛ تراجعوا إلى الوراءِ، تقدّموا إلى الأمامِ، فالعلامةُ قادمٌ. حسنًا، إنّه قادمٌ، وليكن، وهو يأتي بنفسِهِ ولم يُمسكْ به أحدٌ. فما هذه التّصرّفاتُ؟
