
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم
تُركّز هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه على الجانب التربويّ والأخلاقيّ لطلاّب العلوم الدينيّة، حيث تُبيّن خطورة العلم بدون إخلاص، وتُؤكد على ضرورة الإتقان في التحصيل العلميّ، وحلّ الإشكالات وعدم تركها مُعلَّقةً، مع الاستشهاد بسيرة العلماء؛ كما أنّها تُجيب عن تساؤلات أخرى؛ نظير: كيف يجب أن يتعامل طالب العلم مع الإشكالات العلميّة في درسه؟ ما هي اللذّة الحقيقيّة للعلم؟ لتُؤكد أنّ للعلم آثارًا وجوديّة تتجاوز مجرّد المعرفة السطحيّة.
قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل
11ولهذا السّببِ نرى أنّ «المرحومَ العلامةَ الطهرانيّ» كان يُؤكّدُ كثيرًا على هذه المسألةِ. وكم أكّد العظماءُ على هذه الدّروسِ، كالمرحومِ القاضي، والمرحومِ الآخوند الملاّ حسينقلي، الّذين أكّدوا مرارًا وتكرارًا على هذه الدّروسِ نفسِها، فلا تتصوّروا أنّ هناك دروسًا من عالَمٍ آخرَ أو من نوعٍ مختلفٍ. إنّها الدّروسُ نفسُها وبالكيفيّةِ ذاتِها، ولكن بقلبٍ صافٍ خالٍ من الأنانيّةِ.
تأثيرُ النّفسانيّاتِ في تحصيلِ علومِ أهلِ البيتِ عليهم السّلام
أمّا إذا سعينا لدراسةِ هذه العلومِ بدافعِ الأنانيّةِ، لنتعلّمَ كيف نسحقَ الآخرين، أو نستخدمَها ضدّ غيرِنا، أو نُطبّقها في مواضعَ غيرِ مناسبةٍ، فإنّ هذا الدّرسَ سيتحوّلُ إلى مستنقعٍ آسنٍ بالنّسبةِ لنا. إنّه درسٌ واحدٌ، يحضرُهُ طالبانِ عند أستاذٍ واحدٍ. فيكونُ هذا الدّرسُ نورًا لأحدهما، بينما يكونُ، رغم فهمِهِ له، مستنقعًا للآخرِ، وفخًّا شيطانيًّا، وشبكةً يقعُ فيها. لماذا؟ لأنّ لديه مآربَ أخرى، ولذا فإنّ هذا الدّرسَ الّذي يتلقّاهُ يُسخَّرُ في خدمةِ الشّيطانِ. انظروا إلى ما يجري في هذا العالَمِ! إنّه الدّرسُ نفسُهُ، غايةَ الأمرِ أنّه يُسخَّرُ في خدمةِ الشّيطانِ، فيتلوّنُ اليومَ بلونٍ وغدًا بلونٍ آخر. عجبًا! لقد كنتَ تقولُ كذا بالأمسِ؟ فيُجيبُ: اقتضتِ المصلحةُ ذلك. عجبًا! ولماذا تقولُ كذا اليومَ؟ فيُجيبُ: تقتضي المصلحةُ ذلك. عجبًا! ما هذا التّلوّنُ؟ يومًا مع هذا، ويومًا مع ذاك، ثمّ تعودُ بعد غدٍ لتغيّرَ موقفَك! قُل لي بربّك، أين ستقفُ في النّهايةِ؟ اليومَ هنا، وغدًا هناك، ثمّ تعودُ إلى هنا! ما هذا؟! إنّ هذه الدّروسَ قد سُخّرتْ هنا في خدمةِ الشّيطانِ وأهواءِ النّفسِ؛ لأنّ القصدَ منذُ البدايةِ لم يكن للهِ. فلو كان القصدُ للهِ، فإنّ اللهَ لا يتبدّلُ ولا يتغيّرُ، ولا نملكُ سماءينِ وهواءينِ. فاللهُ هو اللهُ دائمًا.
﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلأَرضِ إِلَٰهٞ﴾،۱ فهو الإلهُ في السّماءِ وهو الإلهُ في الأرضِ، ولا فرقَ في ذلك.
في زمانِ «المرحومِ العلامةِ الطهرانيّ»، سمعتُ خبرًا عن أحدِ أقاربنا يتعلّقُ به. ما هو؟ لقد سمعتُ قضيّةً مفادُها أنّ والدَك قد فعل كذا وكذا. فقلتُ: يجبُ أن أذهبَ وأتحقّقَ من هذا الأمرِ». لم أُسارعْ بالقولِ: «كلاّ، هذا مستحيلٌ»، بل قلتُ: يجبُ أن أذهبَ وأتحقّقَ». فجئتُ إلى مشهدَ للقائِه، وفي غمرةِ الحديثِ قلتُ له: لقد سمعتُ قضيّةً بهذا المضمونِ». فأجابني: كلاّ، لم تكنِ القضيّةُ بهذا الشّكلِ، بل كانت كذا وكذا». فقلتُ: حسنًا». لقد جئتُ وسألتُهُ ثمّ حكمتُ، لا أن أُبادرَ بمجرّدِ أن يقولَ أحدهم شيئًا بالقولِ: «كلاّ! ماذا تقولُ؟ إنّ كلامَك باطلٌ، وليس الأمرُ كذلك بتاتًا».
- سورة الزخرف، الآية ۸٤
