
أعمال العُمرة المُفردة وأسرارها المعنويّة
كيف نُحوّل الشعائر من حركات ظاهريّة إلى رحلة روحيّة عميقة؟
ما هي الفروق الدقيقة بين العمرة المُفردة وحجّ التمتّع؟ وكيف نُؤدّي مناسك العُمرة خطوةً بخطوة بدءاً من الإحرام والتلبية وحتى طواف النساء؟ ما هي الرموز المعنويّة لأعمال الطواف والسعي؟ وما هو الفرق الجوهريّ الذي يُميّز عمرة التمتّع عن العمرة المُفردة؟ وما هي الأسرار الروحيّة والاعتبارات التاريخيّة الكامنة في معالم مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة؟ يُجيب سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها، مُقدّمًا شرحًا تفصيليًّا لأعمال العمرة المُفردة وواجباتها وأسرارها.
أعمال العُمرة المُفردة وأسرارها المعنويّة
7حسنًا، أنتم الآن تريدون أداء الطواف، فتتحرّكون بغُسل وطهارة، وتأتون لأداء الطواف. فمن الجيّد أن يسجد الإنسان سجدة الشكر عندما يصل إلى المسجد الحرام؛ لاسيّما بالنسبة للذين تكون هذه هي مرّتهم الأولى.
كيفيّةُ أداءِ الطوافِ وحدودُ المَطافِ والآدابُ القلبيّةُ فيهِ
وتتحرّكون نحو الحجر الأسود؛ فقبل أن تصلوا إلى الحجر الأسود، يوجد خطّ تحت أقدامكم؛ تقفون في بداية ذلك الخطّ، وتُشيرون إلى الحجر الأسود، وتقولون: «الله أكبر»، وتبدؤون الطواف؛ تشيرون بِيَدِكُم اليُمنى أو بكلتا يدَيكم، وتُكبّرون تكبيرة واحدة، وتنوون: «نيّة طواف العمرة المُفردة الواجبة، قُربةً إلى الله».۱
ويجب أن يكون مَسار الطواف في تلك المسافة الواقعة بين مقام النبيّ إبراهيم ـ والذي رأيتموه في الصوَر طبعًا ـ وبين الكعبة نفسها؛ ويجب عليكم الحفاظ على هذا المَسار. ونتيجةً لذلك، عندما تصلون إلى حِجر إسماعيل،٢ يضيق المَسار؛ لأنّ الحِجر نفسه متقدّم كثيرًا، ويأخذ مقدارًا من المَطاف٣. ولا يُمكن الطواف من داخل حِجر إسماعيل، بل يجب أن تطوفوا من حوله. ولهذا، حاولوا الحفاظ على هذه المسافة بين الكعبة ومقام النبيّ إبراهيم طوال الطواف، بحيث لا تخرجوا عنها. وطبعًا، إذا كان الزحام شديدًا في الدائرة، بحيث يصعُب الطواف جدًّا، فيُمكن للإنسان أن يبتعد قليلاً عن ذلك المَطاف المفروض، ويطوف من ذلك المكان.
وفي وقت الطواف، لِيكُن الذكرُ مقتصرًا على: «لا إله إلاّ الله» و «الله أكبر». واحذروا من أن تلمسوا الكعبة بأيديكم أثناء الطواف؛ لأنّه يجب على الإنسان أن يتحرّك خارج الشاذَروان.٤ ويُطلق الشاذروان على ذلك البروز في أسفل الكعبة؛ فيجب أن تتحرّكوا خارجه، ولا ينبغي وضع اليد عليه. أو عندما تطوفون حول حِجر إسماعيل، إيّاكم أن تضعوا أيديكم على الحِجر؛ فلا ينبغي وضع اليد على حجارة الحِجر.٥
ولا تلتفتوا إلى أيّ شيء آخر، ولا تنظروا يمنةً ويسرة، ولا تنظروا إلى أبواب المسجد الحرام وجدرانه، بل ليكُن رأسكم مُطرقًا إلى الأسفل، واذكروا الله، وطوفوا. ولا تُفكّروا أبدًا فيما إذا كان كَتِفُكُم ينحرف عن البيت (الكعبة نفسها) أم لا.. لا تلتفتوا إلى هذه الأمور بتاتًا؛ فليس لدينا مثل هذه الأشياء، وكلّها أمور مُبتَدعة. حتّى لو انحرف كتفكم عن الكعبة نفسها، فلا إشكال في ذلك؛ وإذا دُرتم حول أنفسكم دورتين فلا إشكال؛ وليكُن توجّهكم مقتصرًا على حقيقة التوحيد نفسها. فكّروا في أنّ هذا المكان الذي تطوفون فيه الآن، قد وطأته أقدامُ الكثير من الأنبياء؛ وقد جاء جميع الأئمّة عليهم السلام وجميع الأولياء إلى هنا، وطافوا فيه، وكان مَطافًا لهم. فكان مَقصدهم جميعًا هو التوحيد، ولم يطلبوا من الله شيئًا سوى التوحيد؛ فضعوا هذه النقطة نُصب أعينكم.
- راجع: وسائل الشيعة، ج ۱٣، ص ٣۱٣ ـ ٣۱٥ و٣٢٤ ـ ٣٢۸.
- وهو الحائط نصف الدائريّ الواقع في الجهة الشماليّة من الكعبة، ويجب أن يكون الطواف من خارجه. المحقّق
- المَطاف: الموضع المحيط بالكعبة الذي يُؤدَّى فيه الطواف. المحقّق
- هو البروز أو الارتفاع المحيط بأسفل جدار الكعبة من خارج، ويجب أن يكون الطواف من خارجه. المحقّق
- راجع: وسائل الشيعة، ج ۱٣، ص ٣٥۰ و٣٥۱ و٣٥٣ ـ ٣٥٥.
