
أعمال العُمرة المُفردة وأسرارها المعنويّة
كيف نُحوّل الشعائر من حركات ظاهريّة إلى رحلة روحيّة عميقة؟
ما هي الفروق الدقيقة بين العمرة المُفردة وحجّ التمتّع؟ وكيف نُؤدّي مناسك العُمرة خطوةً بخطوة بدءاً من الإحرام والتلبية وحتى طواف النساء؟ ما هي الرموز المعنويّة لأعمال الطواف والسعي؟ وما هو الفرق الجوهريّ الذي يُميّز عمرة التمتّع عن العمرة المُفردة؟ وما هي الأسرار الروحيّة والاعتبارات التاريخيّة الكامنة في معالم مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة؟ يُجيب سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها، مُقدّمًا شرحًا تفصيليًّا لأعمال العمرة المُفردة وواجباتها وأسرارها.
أعمال العُمرة المُفردة وأسرارها المعنويّة
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا وحبيب إله العالمين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
تحدّثتُ في العام الماضي بحديثٍ لا أدري إن كنتم قد استمعتم إلى تسجيله أم لا، حيث كان هناك بعض الأفراد في قمّ ـ رجالاً ونساءً ـ يبلغ عددُهم حوالي أربعين فردًا، أرادوا التشرّف بأداء مناسك الحجّ، فجاؤوا وتحدّثتُ معهم. وعلى كلّ حال، إذا وصلكم ذلك التسجيل، ففيه مسائل تتعلّق بالعُمرة.
الحجُّ الواجبُ وأقسامُهُ: بينَ العُمرةِ المُفردة وحجِّ التمتّعِ
إنّ ما يتعلّق بمسألة الحجّ الواجب أمران: الأوّل هو العمرة التي يُطلق عليها اسم الحجّ الأصغر، والثاني هو الحجّ في موعده الخاصّ؛ وهو الإحرام والتوجّه إلى عرفات ومِنى وسائر الأعمال التي يجب أداؤها، ويُسمّى بالحجّ الأكبر. ويُطلق لفظ الحجّ عليهما معًا؛ أي إنّ التعبير عن الأوّل يكون بالعمرة وعن الثاني بالحجّ، ولكنّهما يُسمّيان حجًّا.۱
ولهذا، إذا لاحظتم، تجدونهم يقولون: «حجّ العمرة» في مقابل «حجّ التمتّع»، وحجّ العمرة هو هذا؛ أي الحجّ الذي يتكوّن من عمرة وأعمال خاصّة، وكلاهما واجب. وبطبيعة الحال، فإنّ الذين يستطيعون الحجّ الآن يُؤدّون كلا الأمرين معًا، ولكنّ هذا لا يُعدّ دليلاً على أنّه يجب على الإنسان حتمًا أن يُؤدّي هذا الوجوب على نحو «عمرة التمتّع».٢
العمرةُ المُفردة وحكمُ وجوبِها واستقلالُها عن أعمالِ الحجِّ
العمرة التي تكون في غير أيّام الحجّ ولا تتّصل بالحجّ تُسمّى: «العمرة المُفردة». فالعمرة المُفردة هي العمرة التي يؤدّيها المُعتمر من غير أن يربطها بالحجّ؛ وهي لا تختلف أبدًا عن «عمرة التمتّع»، وإنّما يكمن الفرق بينهما في طواف النساء٣ وركعتاه فقط، وإلاّ فإنّ بقيّة أعمالهما واحدة. ويجب على الرفقاء الذين يتشرّفون بأداء العمرة المُفردة أن يعلموا أنّ هذه العمرة المُفردة تُسقط عنهم قسمًا من التكليف؛ أي: لا يبقى عليهم سوى ذلك الحجّ الذي يشتمل على أعمال خاصّة.
بناءً على ذلك، يجب على الذين لم يتشرّفوا بأداء العمرة من قبل ـ أمثالكم ـ أن ينووا الوجوب في هذه العُمرة بطبيعة الحال، لا نيّة الاستحباب. يجب أن ينووا الوجوب بأنّهم يُؤدّون العمرة المُفردة الواجبة قُربةً إلى الله تعالى. وهذه العمرة تسقط عن ذمّتكم بوصفها واجبًا أيضًا. وطبعًا، فإنّ الذين يدخلون مكّة لاحقًا في أيّام الحجّ لا يُمكنهم الدخول من دون إحرام وعمرة، وهذا موضوع آخر لا ارتباط له بهذا الأمر. يعني: لو افترضنا أنّ الوقت كان ضيّقًا لأداء حجّ التمتّع، فيجب على الإنسان أن يُحرم، ويتوجّه إلى عرفات؛ في حين، يكون هؤلاء قد أدّوا عمرتهم المُفردة سابقًا.
- راجع: الكافي، ج ٤، ص ٢٩۰.
- راجع: وسائل الشيعة، ج ۱۱، ص ۷ ـ ۱٥.
- هو الطواف الواجب بعد أعمال العمرة [غير عمرة التمتّع] أو الحجّ، والذي تتوقّف عليه حلّية بعض الأمور؛ ومن ضمنها النكاح. المحقّق
