
أعمال العُمرة المُفردة وأسرارها المعنويّة
كيف نُحوّل الشعائر من حركات ظاهريّة إلى رحلة روحيّة عميقة؟
ما هي الفروق الدقيقة بين العمرة المُفردة وحجّ التمتّع؟ وكيف نُؤدّي مناسك العُمرة خطوةً بخطوة بدءاً من الإحرام والتلبية وحتى طواف النساء؟ ما هي الرموز المعنويّة لأعمال الطواف والسعي؟ وما هو الفرق الجوهريّ الذي يُميّز عمرة التمتّع عن العمرة المُفردة؟ وما هي الأسرار الروحيّة والاعتبارات التاريخيّة الكامنة في معالم مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة؟ يُجيب سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها، مُقدّمًا شرحًا تفصيليًّا لأعمال العمرة المُفردة وواجباتها وأسرارها.
أعمال العُمرة المُفردة وأسرارها المعنويّة
15وذِكر الصلاة على محمّد وآله مُستحبّ جدًّا في المدينة، وكذلك سائر الأذكار مهمّة جدًّا هناك.۱ تصوّروا أنّ مَقامكم الأساسيّ كان هنا، وأنّكم تعيشون في مكان آخر عاريةً. فأين هو مكاننا؟ مكاننا هو هنا حيث كان النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ فهذا واضح إذن! ونحن في أيّ مكان آخر مجاز وعارية.
المعالمُ المكانيّةُ في المسجدِ النبويِّ وفضلُ الصلاةِ بينَ القبرِ والمنبرِ
في المسجد النبويّ، توجد موارد وأماكن من الجيّد جدًّا رعايةُ حُرمتِها. عندما تدخلون من «باب جبرئيل»، تجدون على يساركم مُرتفعًا، مساحته مثلاً متران (أو متران ونصف) في عِدّة أمتار؛ وهذا يُسمّى «الصفّة». وأصحاب الصفّة كانوا أصحابًا يُلازمون هذا المكان دائمًا، وكان لهم وضعهم الخاصّ. كانوا فقراء لا يملكون شيئًا، وكانوا محطّ اهتمام كبير. كانوا يجلسون هنا (في هذا المرتفع نفسه)، ويُصلّون؛ وهو مقابل قبر السيّدة الزهراء عليها السلام. وعادةً ما يأتي البعض ويجلسون هناك، ويقرؤون القرآن، ويُصلّون.
ثمّ تستديرون، وتذهبون يسارًا بجوار الضريح؛ وهناك، يقع قبر النبيّ صلّى الله عليه وآله على يساركم، وخلفه قبر السيّدة الزهراء عليها السلام.٢ والصلاة بين القبر والمنبر (المنبر الذي كان لرسول الله صلّى الله عليه وآله هناك) أمرها عجيب؛ أي: لقد حُدّد ثوابًا عظيمًا للصلاة بين هاتين النقطتين، بحيث يُقال إنّه لا يُحصى.٣ و«محراب النبيّ» واضح تمامًا أيضًا، ومكتوب عليه: «هذا محراب الرسول». فإذا ذهبتم إلى هناك، فاحرصوا على الوقوف فيه والصلاة؛ وعندما يدخل أحدهم، قفوا هناك حتّى يحين دوركم. وعندما ذهبنا نحن، كان المكان خاليًا؛ وقد صلّيت أنا نفسي هناك مرّات عديدة؛ فقد كان المكان خاليًا.
ومكان «منبر رسول الله صلّى الله عليه وآله» معروف أيضًا؛ والصلاة بينهما أمر مستحسن جدًّا. ولا بأس بالصلاة هناك على السجّاد؛ لأنّ المورد مورد تقيّة،٤ وهم لا يسمحون بالسجود على التربة؛ ولهذا، إذا استطعتم مثلاً أن تضعوا من هذه السبحات الخشبيّة وتسجدوا عليها، فافعلوا إذا لم يعترضوا؛ وإذا اعترضوا، فارفعوها، وصلّوا على السجّاد نفسه.
خَتمُ القرآنِ في المسجدِ النبويِّ ولزومُ حصرِ التوجّهِ برسولِ اللهِ
وهناك أمرٌ يجب الالتفات إليه: حاولوا ـ إن أمكنكم ـ أن تختموا القرآن مرّة واحدة خلال هذين الأسبوعين؛ أي: ابدؤوا من المدينة، وأهدوا ثوابه للنبيّ صلّى الله عليه وآله، وأتمّوه حتّى نهاية مكوثكم في مكّة؛ فيكون بمقدار جزأين في اليوم؛ وهذا ليس كثيرًا. وبعد ذلك، إذا شَعَرتم بالتعب، فقوموا واخرجوا؛ فهناك صحنان مكشوفان؛ فتعالوا، واجلسوا هناك تحت السماء. وطبعًا، لقد وضعوا هذه المظلاّت لكيلا تصل أشعّة الشمس؛ وهناك، يكون الهواء أفضل، والزحام أقلّ؛ فيُمكنكم الجلوس هناك أكثر. وبالنسبة للنساء أيضًا، يُخصِّصون أوقاتًا للزيارة.
- راجع: الكافي، ج ٤، ص ٥٦٥ و٥٦٦؛ وسائل الشيعة، ج ۱٤، ص ٣٤۰.
- معاني الأخبار، ص ٢٦۸:
«عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ البَزَنْطِيّ قَالَ: قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا عليه السّلام عَنْ قَبْرِ فَاطِمَةَ عليه السّلام. فَقَالَ: دُفِنَتْ فِي بَيْتِهَا فَلَمَّا زَادَتْ بَنُو أُمَيَّةَ فِي الْمَسْجِدِ صَارَتْ فِي الْمَسْجِدِ». - راجع: الكافي، ج ٤، ص ٥٥٣ ـ ٥٥٦.
- إخفاء الاعتقاد أو العمل دفعًا للضرر عند الخوف منه. المحقّق
